22.…قوله تعالى:" لئن لم ينتهِ المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ والمرجفون في المدينة لنُغريَنَّك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً. ملعونين أينما ثُقفوا أُخذوا وقُتِّلوا تقتيلاً"، هذه الآية بيَّنت أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض يُخفونه وهو الطعن في دين الله والاستهزاء بآياته وبرسوله صلى الله عليه وسلم كما تقدم مستحقون للعن، بل هم إن اللعن وصفٌ ثابتٌ عليهم، ثم بيَّنت هذه الآية ما يترتب على هذا اللعن من التقتيل وهي صيغة مبالغة من القتل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في سياق الكلام على قوله تعالى (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة):"أنه ذكر أنه لعنهم في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً، واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومَن طََرَدَه عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافراً، فإن المؤمن يقرُب إليها بعض الأوقات ولا يكون مباح الدم، لأن حقن الدم رحمةٌ عظيمة من الله، فلا يثبت في حقه، ويؤيد ذلك قوله :"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً. ملعونين أينما ثُقفوا أُخذوا وقُتّلوا تقتيلاً"، فإنَّ أخْذهم وتقتيلهم والله أعلم بيانٌ لصفة لعنهم، وذُكِر لحكمةٍ - فلا موضع له من الإعراب وليس بحالٍ ثانية- لأنهم إذا جاوروه ملعونين ولم يظهر أثر لعنهم في الدنيا لم يكن في ذلك وعيدٌ لهم، بل تلك اللعنة ثابتةٌ قبل هذا الوعيد وبعده، فلابد أن يكون هذا الأخذ والتقتيل من آثار اللعنة التي وُعدوها، فثبت في حق من لعنه الله في الدنيا والآخرة"، قلت: وهذا كما قدمنا غاية العدل لأن المنافق الذي أبطن الكفر وأظهر الإسلام عومل وفق ذلك فحُقن دمه في الدنيا بما أظهره من الإسلام وعُذب في نار حهنم خالداً فيها يوم القيامة بما أبطن من الكفر، أما إذا تسرب إلينا من باطن كفره ما ظهر لنا به كفره قولاً كان كالسب والشتم أو فعلاً كالإرجاف والتخذيل والدلالة على عورات المسلمين رجع حكمه في الدنيا إلى الأصل وعومل معاملة الكافر الحربي المعادي لله ورسوله المحاد لهما والمشاق لهما فأُخِذ وقُتل جزاءً وفاقاً، وبهذا يتبين أن سب الرسول صلى الله عليه وسلم ينقض الإيمان والأمان ويوجب القتل واللعن على هؤلاء المجرمين، وهو المطلوب.
23.…قوله تعالى :" فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويُسلِّموا تسليماً"، ووجه الدلالة من هذه الآية هو أيضاً من قياس الأولى حيث بينت الآية بشكل صريح أن مَن أعرض عن التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقبول بحكمه قد انتفى عنه الإيمان، وقال الإمام أحمد:"نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلوا :"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة" الآية، وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة؟ الشرك! لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شئ من الزيغ، فيزيغ قلبه فيهلكه، وجعل يتلوا هذه الآية :"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم"، وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله:"فأقسم سبحانه بنفسه أنَّا لا نؤمن حتى نُحكِّم رسولَه في جميع ما شجر بيننا، وتتسع صدورنا بحكمه فلا يبقى منها حرج، ونسلِّم لحكمه تسليماً، فلا نعارضه بعقلٍ ولا رأيٍ ولا هوى ولا غيره، فقد أقسم الرب سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يُقدِّمون العقل على ما جاء به الرسولُ، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه وإن آمنوا بلفظه"، قلت: فإذا كان الإيمان منفياً عمن لم ينشرح صدره لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بمن سبَّه وشتمه وآذاه بفحشٍ من القول وزور من الكلام. قال ابن تيمية رحمه الله:" فإذا كان النفاق يثبت، ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره مع أن هذا تركٌ محضٌ وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالتنقص والسب"، قلت: أي أن كون السب والشتم سبباً في نفي الإيمان أولى وأقوى، لأن الساب لم يقتصر على الترك والإعراض الذي هو بحد ذاته كفر، بل ضم إلى ذلك التنقص والشتم فهو متعاطي لأذية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التعاطي للإيذاء فوق الترك المحض فكان أولى بنفي الإيمان واستحقاق العقوبة. ويؤيد هذا المعنى ما رواه دحيم في تفسيره عن عتبة بن ضمرة :حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحِقِّ على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى. فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، وقد ذهبا إليه، فقال الذي قُضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضي لي. فقال أبو بكر: فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبُه أن يرضى. قال: فأتيا عمر بن الخطاب، فأتياه فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، ثم أتينا أبا بكر فقال أنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرضى، فسأله عمر، فقال كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سلَّه، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله:" فلا وربك لا يؤمنون " إلى آخر الآية. قلت: فكيف يفعل الصحابة إذاً بالساب والشاتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف يجدر بالمؤمن أن يفعل!