فهذه أقوال أهل العلم متضافرة على وجوب النصيحة له صلى الله عليه وسلم، والنصيحة في اللغة الإخلاص، وهي لرسولنا صلى الله عليه وسلم الإخلاص في متابعته بحيث تكون مجردةً له صلى الله عليه وسلم لا يدخل على هذه المتابعة شيء من البدعة والحدث والرأي والهوى، وهذا كما جاء في الأثر :"جعل رجلٌ يقول لابن عمر رضي الله عنهما: أرأيت أرأيت؟ قال: اجعل أرأيت باليمن، إنما هي السنن".
سادساً: مكان الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اعلم أن الله تعالى قد افترض علينا الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه وتعالى:"إن الله وملائكته يصلُّون على النبي يأيها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً"، وهذه الصلاة كما قال أبو العالية:"صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء"، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلى بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً" .
ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نصلي عليه، ففي الحديث عن كعب بن عجرة رضي الله عنه:"...إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:" قلنا: يا رسول الله، هذا السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم"، وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا:"يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد"، وهذه الصلاة فرضٌ على الجملة، ولها أوقات فضيلة واستحباب، ومن أوقاتها الخاصة ما بعد التشهد الأخير في الصلاة، وعند الدعاء، وعند ذكره صلى الله عليه وسلم وسماع اسمه أو كتابه، ويوم الجمعة، وعند دخول المسجد، وعند الأذان، وغيرها من المواطن ذكرها القاضي عياض رحمه الله تعالى.
ولقد ورد الذم صريحاً فيمن ترك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" رغِم أنف رجلٍ ذُكرت عنده فلم يصلِّ علي"، وعن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" البخيل الذي ذُكرت عنده فلم يُصلِّ عليَّ".
سابعاً: مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الصحابة رضوان الله عليهم:
لقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنموذج الذي اختاره الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فكانوا مصداقاً حقيقياً لوصف القرآن :" محمدٌ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم رُكَّعاً سُجَّداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مَثَلُهم في التوراة ومَثَلُهم في الإنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقِه يعجب الزُرَّاع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالجات منهم مغفرةً وأجراً عظيماً"، لقد أحاط الصحابة رضوان الله عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسياج المحبة والحرص، والتوقير والتعظيم، فلم يكونوا يصدرون إلا عن أمره، ولا يتقدمون بين يديه، وفي حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه في مرض موته قال :" ...وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أَجَلَّ في عينَي منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينَي منه إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عينَي منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة"، وعن أسامة بن شريك يقول:" أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أصحابه عنده كأن على رؤوسهم الطير"، وأرسلت قريش عروة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية:" فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه؛ لا يتوضأ وضوءاً إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقاً إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش، إنى جئت كسرى في مُلكه، وجئت قيصر والنجاشي في مُلكهما، والله ما رأيت مُلكاً قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يسلمونه لشيء أبداً"، قلت: فما بالنا اليوم نُسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونخذله أمام شرذمة حقيرة من زبالات البشر...
ثامناً: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم :