24.…قوله تعالى:" ومنهم من يَلمِزُك في الصدقات فإن أُعطوا منها رَضُوا وإن لم يُعطَوا منها إذا هم يَسخَطون" ، ووجه الدلالة من هذه الآية يجمع أموراً مما تقدم (فأولها) يتعلق بصفات المنافقين وسلوكهم الظاهر الدال على كفرهم الباطن وهو في هذه الآية الفاضحة لمزُ النبي صلى الله عليه وسلم في الصدقات، قال ابن تيمية رحمه الله :"واللمز: العيب والطعن، قال مجاهد: يتهمك، يسألك، يزرأك، وقال عطاء: يغتابك"، قلت : وكل هذا من جنس أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسب أشد منه لكونه صريحاً معلناً فحكمه حكم اللمز من حيث الحكم بالنفاق والكفر كما لا يخفى، و(ثانيها) أن من صفات المنافين الكفار في الباطن أنهم لا يرضون بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقسيم الأموال وفي غيره من الأمور الدينية والدنيوية وهو ما تقدم تحريره في الدليل السابق، ويقوي هذا المعنى ويوضحه ما رواه الإمام البخاري رحمه الله بسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال:" بينا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: ويحك! ومن يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه. قال: دعه، فإن له أصحاباً يحقِر أحدُكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ..إلى أن قال : فنزلت فيه :"ومنهم من يلمزك في الصدقات"، قلت: وهذه الآية والحديث الذي يروي سبب نزولها صريحان في أن الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وفي حكمه وقضائه كفرٌ يبيح دم قائله حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرَّ عمر بن الخطاب على حكمه على الرجل بالقتل، ولكن منعه لسبب آخر ولمصلحة راجحة – وهذا حقٌ للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته حيث يعفو عن حقه هو لما يراه مناسباً، أما بعد موته صلى الله عليه وسلم فمن ذا الذي يجرؤ على إسقاط حق رسول الله صلى الله عليه وسلم!
25.…قوله تعالى:" يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالُكم وأنتم لا تشعرون"، ووجه الدلالة من الآية أن الله سبحانه وتعالى نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته صلى الله عليه وسلم وعن الجهر له بالقول كجهر بعضهم لبعض لأن هذا الرفع والجهر قد يُفضي إلى حبوط العمل وصاحبه لا يشعر، فإنه علَّل نهيهم عن الجهر وتركهم له بطلبِ سلامة العمل عن الحبوط، وبيَّن أن فيه من المفسدة احتمال حبوط العمل وانعقاد سبب ذلك، وما قد يُفضي إلى حبوط العمل يجب تركُه غاية الوجوب، والعمل يحبط بالكفر قاله سبحانه :"ومن يرتدد منكم عن دينه فيَمُت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة"، وقال تعالى:" ومن يكفر بالإيمان فقد حبِط عمله"، وقال:" ولو أشركوا لَحَبِط عنهم ما كانوا يعملون"، وقال :"لئن أشركتَ ليحبطنَّ عملُك"، وقال:"ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل اللهُ فأحبط أعمالهم"، وقال :"ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخطَ اللهَ وكرهوا رضوانَه فأحبط أعمالهم"، كما أن الكفر إذا قارنه عملٌ لم يُقبل لقوله تعالى :"إنما يتقبل الله من المتقين"، وقوله:"الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضلَّ أعمالَهم"، وقوله :"وما منعهم أن تُقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله"، وهذا ظاهرٌ ولا تحبط الأعمال بغير الكفر، لأن من مات على الإيمان فإنه لابد من أن يدخل الجنة ويخرج من النار إن دخلها، ولو حبط عملُه كله لم يدخل الجنة قط، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها، ولا ينافي الأعمالَ مطلقاً إلا الكفر، وهذا معروفٌ من أصول أهل السنة، نعم قد يبطلُ بعض الأعمال بوجود ما يفسده كما قال تعالى:"لا تُبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى" ولكن لا يحبط كلُّ عمل المرء بذلك، ولهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا بالكفر. فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم والجهر له بالقول يُخاف منه أن يكفر صاحبه وهو لايشعر، ويحبط عمله بذلك وأنه مظنة لذلك وسبب فيه، فمن المعلوم أن ذلك لِما ينبغي له من التعزير والتوقير والتشريف والتعظيم والإكرام والإجلال، ولِما أنَّ رفعَ الصوت قد يشتمل على أذى له أو استخفاف به وإن لم يقصد الرافعُ ذلك، فإذا كان الأذى والاستخفاف الذي يحصل في سوء الأدب من غير قصد صاحبه يكون كفراً، فيكون الأذى والاستخفاف المقصود والسب والشتم المتعمد كفراً بطريق الأَولى. قلت: هذا غاية الفقه منه رحمه الله فقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المبحث النفيس مسائل من أصول الدين لا ينفك المسلم يحتاج إليها، منها أن المعاصي لا تحبط الإيمان كله وإنما ينقص بها الإيمان، وأن حبوط كامل العمل رديف الكفر، وأن كل ما دل دليل الشرع على أنه يؤدي إلى حبوط كامل العمل فهو كفر وهذا كما مثَّل وذكر كسب النبي صلى الله عليه وسلم، وبيَّن رحمه الله أن مسألة سب النبي صلى الله عليه وسلم وإيذائه من متعلقات أصول الدين وأنه ليس مجرد ذنب عارض بل هو جريمة كبرى، ولكن هل من سامع أو مجيب.