تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن أهل الذمة قد عاهدوا المسلمين على الامتناع عن أمور إن هم تعاطوها نقضوا العهد وترتبت على نقض العهد أحكام شرعية وعقوبات شرعية بحسب هذا الناقض، وهذا كله مبسوط في مظانه، وأذكر في هذا المقام بعض ما ورد في الشروط العمرية التي صالح عليها المسلمون نصارى الشام وشرط النصارى على أنفسهم في مقابل الذمة والصلح شروطاً وفيها :" ولا نُظهر شركاً، ولا نُرغِّب في ديننا، ولا ندعو إليه أحداً"، فكتب الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى المسلمين :" أن أمضِ لهم ما سألوا وألحِق فيهم حرفين أشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم : ألا يشتروا من سبايانا، ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده"، فتأمل جيداً هذه الشروط:

3.…أن لا نُظهر شركاً: فلا يجوز لهم أن يعلنوا ويظهروا على الملأ شعائر دينهم الشركية كإظهار الصليب أو التحديث ببنوة عيسى لله تعالى سبحانه وتعالى عما يشركون، ونحو ذلك مما فيه أذى لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا قد أُقروا عليه فيما بينهم في مقابل دفع الجزية وجريان حكم الله ورسوله عليهم.

4.…ولا نرغِّب في ديننا: فلا يدعون أحداً إلى دينهم الباطل لأن هذه الدعوة معناها تفضيل دينهم على دين الإسلام وهو مخالف لما عاهدناهم عليه من خضوعهم لحكم الإسلام.

5.…ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده: فإذا كانت هذه هي حرمة المسلم فحرمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من باب أولى.

فإذا تأملت هذه الشروط وجدت أنها تدل بقياس الأَولى على حرمة ومنع التطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسب والإساءة والشتم والتعريض، فلا يخفى ولا يحتاج إلى تقريرٍ صريح أن وقوع مثل هذا ناقض للعهد مع ما يستجره من عقوبة على ما نبين لاحقاً. وإنما كان التفصيل في هذه الأصناف محتاجاً إليه في موضوع هذا الكتاب لما كان من وجود أهل الذمة في أرجاء الدولة الإسلامية مع ما لهم وعليهم من حقوق وواجبات، وما يحتاج لمعرفته من أحكام الشريعة الجارية عليهم فيما يقع منهم من إخلال بالعهد أو اقتراف جناية كزنى وقتل وحرابة أو سب للدين ولله عز وجل وللرسول صلى الله عليه وسلم، وأما أحكام المستأمنين فإن عهدهم أقل توثيقاً من عهد أهل الذمة فنقضه بمثل سب رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب أولى، وأما المحارب فلا عصمة لدمه أصلاً والمقاتلةُ منهم يُخيَّر الإمام فيهم بين القتل والرق والفداء والمن، أما غير المقاتلة فلا يجوز قتلهم كالنساء والرهبان ومَن في حكمهم إلا أن يقاتلوا، وأحكام هذا كله مبسوطة في كتب الفقه والسياسة الشرعية فليرجع إليه.

ويمكننا أن نقسم الناس اليوم بخصوص ما يتعلق بمسألة سب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قسمين اثنين فقط هما : مسلم وكافر، بغض النظر عن وضع الكافر من حيث الأقسام المذكورة آنفاً، لأن أقوى هذه الأقسام عهداً وتوثيقاً وأماناً – أعني أهل عقد الذمة – غير موجودين اليوم على الصفة الشرعية المذكورة، فكل ما سوى ذلك من أقسام الكفار أقل درجةً من حيث عصمة الدم والأمان، وكل ما تكلم فيه الفقهاء قديماً عن انتقاض عهد أهل الذمة وترتُّب عقوبة جريمة سب الرسول صلى الله عليه وسلم على الساب منهم يقع على غير أهل الذمة من الكفار بطريق الأولى على تفصيل نبينه إن شاء الله تعالى.

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى:"اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه، أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرَّض به، أو شبَّهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، والعيب له، فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم السابِّ ؛ يُقتل على ما نبينه، ولا نستثني فصلاً من فصول هذا الباب على هذا المقصد، ولا نمتري فيه تصريحاً كان أو تلويحاً. وكذلك مَن لعنه أو دعا عليه، أو تمنى له مضرة، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسُخفٍ من الكلام وهُجر، ومنكر من القول وزور، أو عيَّره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كله إجماعٌ من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا"

رحم الله القاضي عياض، وجعل كل حرف من هذه الأحرف وكل مَن عمل بها من بعده إلى يوم القيامة في ميزان حسناته، وهكذا فليكن انتصار العلماء الربانيين للنبي صلى الله عليه وسلم أو لا يكونوا، فالأمة بغنى عن عالم متعالم لا يزمجر بمثل هذه الكلمات في أرجاء الكون حتى ترتعد فئران الكفر والضلال وتموت كمداً في جحورها أو دهساً تحت أقدام الموحدين، رحم الله القاضي عياض رحمةً واسعة ينور بها قبره ويعلي بها قدره بين العلماء العاملين.

وإن كلامنا في هذا المبحث يتعلق بما يلي :

1.…بيان الأدلة الشرعية المتضافرة على انتقاض إيمان وأمان ساب النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب قتله.

2.…بيان الأدلة على تعيُّن قتل الساب وعدم صلاح أية عقوبة أُخرى معه

3.…بيان الأدلة على عدم استتابة ساب النبي صلى الله عليه وسلم وبيان حكمه إن تاب.

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٥٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٥٩٨