تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5.…إن سبَّ الله تعالى حقٌ محضٌ لله، وذلك يسقط بالتوبة، وسبُّ النبي صلى الله عليه وسلم فيه حقان؛ حقٌ لله وحقٌ للعبد، فلا يسقط حق الآدمي بالتوبة، إلا أن يعفو.

6.…إن النبي صلى الله عليه وسلم تلحقه المعرة بالسب لأنه مخلوق، وهو من جنس الآدميين الذين تلحقهم المعرة والغضاضة بالسب والشتم، وكذلك يُثابون على سبِّهم ويعطيهم الله من حسنات الشاتم أو من عنده عوضاً على ما أصابهم من المصيبة بالشتم، فمن سبَّه فقد انتقص حرمته صلى الله عليه وسلم. والخالق سبحانه لا تلحقه معرة ولا غضاضة بذلك، فإنه منزَّهٌ عن لحوق المنافع والمضار به، كما قال سبحانه فيما يرويه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فنتفعوني"، وإذا كان سب النبي صلى الله عليه وسلم قد يؤثِر انتقاصَه في النفوس وتلحقه بذلك معرة وضيم، وربما كان سبباً للتنفير عنه وقلة هيبته وسقوط حرمته، شُرعت العقوبة على خصوص الفساد الحاصل بسبِّه فلا تسقط بالتوبة كالعقوبة على جميع الجرائم، وأما ساب الله سبحانه فإنه يضر نفسه بمنزلة الكافر والمرتد فمتى تاب زال ضرر نفسه فلا يُقتل. ويؤيد ذلك أن القذف بالكفر أعظم من القذف بالزنى، ثم لم يُشرع عليه حدٌ مقدَّر كما شُرع على الرمي بالزنى، وذلك لأن المقذوف بالكفر لا يلحقه العار الذي يلحقه بالرمي بالزنى، لأنه بما يُظهر من الإيمان يُعلَم كذب القاذف، وبما يظهره من التوبة تزول عنه تلك المعرَّة، بخلاف الزنى فإنه يستسر به ولا يمكنه إظهار البراءة منه، ولا تزول معرته في عرف الناس عند إظهار التوبة، فكذلك ساب الرسول يُلحق بالدِين وأهله من المعرة ما لا يلحقهم إذا سب الله لكون المنافي لسبِّ الله ظاهراً معلوماً لكل أحدٍ علماً يشترك فيه كل الناس، بمعنى أن أثر سب الله تعالى لا يظهر بالنسبة لله تعالى.

7.…إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما يُسب على وجه الاستخفاف به والاستهانة، وللنفوس الكافرة والمنافقة إلى ذلك داعٍ من جهة الحسد على ما آتاه الله من فضله، ومن جهة المخالفة في دينه، ومن جهة التكبر عن الانقهار تحت حكم دينه وشرعه، ومن جهة المراغمة لأمته، وأما سبُّ الله سبحانه فإنه لا يقع في الغالب استخفافاً واستهانةً وإنما يقع تديُّناً واعتقاداً، وليس للنفوس في الغالب داعٍ إلى إيقاع السب إلا عن اعتقاد يرونه تعظيماً وتمجيداً، وهذا كمن يدعي أن الله اتخذ ولداً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فهذا من جنس السب بل هو شتم صريح كما جاء في الحديث القدسي، ومع ذلك فحكمه حكم الكفر إلا أن يتوب.

8.…إن مفسدة سب الرسول صلى الله عليه وسلم لا تزول بإظهار التوبة، بخلاف مفسدة سب الله تعالى، ولهذا إذا نظرت إلى جريمة القتل والزنى وإلى جريمة الردة وجدت أن حد القتل والزنى لا يسقط لأنه لا يمكن إزالة مفسدتهما التي وقعت، بخلاف حد الردة فإنه يسقط بالإسلام لأن مفسدة وقوع الردة تزول بعودته للإسلام.

والحاصل أن حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم أُلحقت بحرمة الله من جهة التغليظ، لأن الطعن فيه طعن في دين الله وكتابه، ولكن هذا الحق أشبه بحقوق الآدميين من جهة بقاء حقه في استيفاء العقوبة من الساب، فهو صلى الله عليه وسلم من المخلوقين الذين لا تسقط حقوقهم بالتوبة، لأنهم ينتفعون باستيفاء الحقوق ممن هي عليه، ولئن كان من حقه صلى الله عليه وسلم العفو عمن شاء ممن له عليه حق في حياته فقد انقطع هذا بموته صلى الله عليه وسلم ولم يعد إلا تغليظ العقوبة وبطلان سقوطها بالتوبة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يتألم بأذى مَن سبه وشتمه، فله أن يعاقب من آذاه تحصيلاً لمصلحة نفسه صلى الله عليه وسلم، كما له أن يأكل ويشرب، ومعلوم أن الله تعالى غني عن ذلك كله، ولهذا فان تمكين البشر من استيفاء حقه صلى الله عليه وسلم ممن بغى عليه من جملة مصالح المؤمنين، ولولا ذلك لماتت النفوس غمّاً من وقوع أذاه وعدم الانتصار له صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: الفرق بين سب الرسول صلى الله عليه وسلم وسب سائر المؤمنين:

ولا أراني محتاجاً إلى كثير بسطٍ واستدلال على هذه البدهية، غير أننا نحتاج إلى استحضارها كي يستبين للمؤمنين أن قياس الأَولى تغليظُ عقوبة من ارتكب جريمة سب النبي صلى الله عليه وسلم لتكون أشد زجراً وردعاً وإيلاماً وإرهاباً لمن تطاول على مقام النبوة منها لمن سب أحداً من سائر المؤمنين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :"إن سب النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يكون من حيث هو سب بمنزلة سبِّ غيرِه من المؤمنين، لأنه صلى الله عليه وسلم يباين سائر المؤمنين من أمته في عامة الحقوق مثل وجوب طاعته ووجوب محبته وتقديمه في المحبة على جميع الناس، ووجوب تعزيره وتوقيره على وجهٍ لا يساويه فيه أحد، ووجوب الصلاة عليه والتسليم إلى غير ذلك من الخصائص التي لا تحصى. وفي سبه إيذاءٌ لله ولرسوله ولسائر المؤمنين من عباده، وأقل ما في ذلك أن سبَّه كفرٌ ومحاربة، وسب غيره ذنبٌ ومعصية، ومعلوم أن العقوبات على قدر الجرائم، فلو سوّى بين سبه وسب غيره، لكان تسوية بين الشيئين المتباينين وذلك لا يجوز".

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٥٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٥٩٦