تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما إن أظهر الدعاء للنبي وأبطن الدعاء عليه إبطاناً يُعرف من لحن القول، بحيث يفهمه بعض الناس دون البعض، مثل قول (السام عليكم) إذا أخرجه مخرج التحية، وأظهر أنه يقول (السلام عليكم) ولم يُظهروا السبَّ ولم يجهروا به، وإنما أظهروا التحية والسلام لفظاً وحالاً، وحذفوا اللام حذفاً خفياً يفطن له بعض السامعين، وقد لا يفطن له الأكثرون، فهذا قد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:" إن اليهود إذا سلَّموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم. فقولوا: عليك"، فجعل هذا شرعاً باقياً في حياته وبعد موته حتى صارت السنة أن يُقال للذمي إذا سلم :وعليكم أو عليكم. وكذلك لما سلم عليهم اليهودي قال: أتدرون ماقال؟ إنما قال: السام عليكم. ولو كان هذا من السب الذي هو سبٌ لوجب أن يشرع عقوبة اليهودي إذا سمع منه ذلك ولو بالجَلد، وقد أخبر الله عنهم بقوله تعالى:"وإذا جاؤوك حيَّوك بما لم يحيِّك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير"، فجعل الله تعالى عذاب الآخرة حسبهم، فدل على أنه لم يشرع على ذلك عذاباً في الدنيا، وهذا لأنهم لو قُرروا على ذلك وسئلوا عنه لقالوا :إنما قلنا السلام وإنما السمع يخطئ، وأنتم تتقولون علينا. فموجبات العقوبات لابد أن تكون ظاهرةً الظهور الذي يشترك فيه الناس، وإن إتيان السب على هذا الوجه الخفي غاية ما يكون من الكتمان والإخفاء ونحن لا نعاقبهم على ما يُسرونه ويخفونه من السب وغيره. والحاصل من هذا أنه يحتاج أن يجتمع في السب أن يكون من جنس السب وأن يكون ظاهراً لا خفاء فيه حتى تُقام البينة بوضوح لا خفاء فيه. قلت: وهنا نكتة لطيفة وهي أن الذي يُبطن السب ويُلحن القول فيه ويُغلفه بالسلام وغيره من الأقوال الظاهرة المتعامل بها بين الناس إنما يتكتم بهذا على هذا النحو لنوع مذلةٍ وقمعٍ يعيشه وهذا هو المطلوب، أعني أن تكون كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، فالسبُّ المبطَّن لا يترتب عليه الانتقاص من الدين والرسول صلى الله عليه وسلم الحاصل بإعلان السب وإطهاره، والعقوبة الشرعية في الدنيا شرعت لمن أظهر السب وأعلن به، ولهذا قال تعالى فيمن أبطن السب وأضمره وأخفاه مقموعاً ذليلاً :" حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير"، وهذا غاية العدل لأن مَن كان السب منه ظاهراً وباطناً عاقبناه في الدنيا وعاقبه الله في الآخرة، ومن كان السب منه باطناً ولم يظهره إظهاراً تقوم به الحجة عليه في الدنيا عومل بظاهره في الدنيا وعاقبه الله تعالى في الآخرة وحسبه جهنم وبئس المصير، فلم يكن لنا أن نتقدم بين يدي لله تعالى بعقوبة غير التي قرر سبحانه وتعالى أنها حسب هؤلاء، فإن مثلهم مثل الفئران في جحورها إن ظهرت ظهرت سريعاً وعادت إلى جحورها سريعاً فلم يكن هناك من داعٍ لتعقبها وقتلها خارج جحورها بل يُصار إلى تسميم جحورها لتموت وتتعفن فيها، ولله الحمد من قبل ومن بعد.

النوع الثاني من السب: الخبر :

فكل ما عهده الناس شتماً أو سباً أو تَنَقُصاً فإنه سبٌ يترتب عليه حكمه وعقوبته الشرعية حتى لو كان السب يوافق معتقد الكافر الذي يُبطنه في قلبه، فان الكفر ليس مستلزماً للسب، وقد يكون الرجل كافراً ليس بسابٍّ والناس يعلمون علماً عاماً أن الرجل قد يبغض الرجل ويعتقد فيه العقيدة القبيحة ولا يسبه، وقد يضم إلى ذلك مسبته. والحاصل أنه ليس كل ما يُحتمل اعتقاداً يُحتمل قولاً، وليس كل ما يُحتمل أن يُقال سراً يُحتمل أن يُقال جهراً، والمعنى أن أهل الذمة مثلاً يُقرون على دينهم بشرط عدم المجاهرة به ونحن نعلم أن من دينهم تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا المعتقد نحتمله منهم في السر والباطن ولا نقبل ولا نحتمل ولا نرضى منهم إظهار ذلك والإعلان به والقول به جهراً، فليس على ذلك العهد بيننا وبينهم، هذا في أهل الذمة، فما بالك بالمحارب والمستأمن! والكلمة الواحدة تكون في حالٍ سباً وفي حالٍ ليست بسب، فمن ذكر في مناظرة أنه لا يتبع محمداً صلى الله عليه وسلم حاكياً معتقده ليس كمن تكلم بتكذيب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم على وجه التنقص والاستهزاء وأنه حاشاه صلى الله عليه وسلم ليس أهلاً لاختيار الله له تلك المنزلة، فالأول ليس بسب والثاني سبٌ واضح لا مرية فيه. فعُلم أن هذا يختلف باختلاف الأقوال والأحوال، وإذا لم يكن للسب حدٌ معروف في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عُرف الناس؛ فما كان في العرف سباً فهو للنبي سب وهو الذي يجب أن ينزل عليه حكم الصحابة والعلماء في الساب، وما لم يكن في العرف سباً فلا. وهذه جملةٌ من أقسام السب الخبري نذكرها للمثال لا حكايةً عن سب الرسول صلى الله عليه وسلم :

2.…إظهار التنقص والاستهزاء :كالتسمية ببعض أسماء الحيوانات، أو الوصف بالمسكنة والخزي والمهانة أو الإخبار بأنه في العذاب وأن عليه آثام الخلائق ونحو ذلك.

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٥٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٥٩٤