تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحديث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:" غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد، فلما أدركَتهُ القائلة وهو في وادٍ كثير العضاة، فنزل تحت شجرة واستظل بها وعلّق سيفه، فتفرق الناس في الشجر يستظلون، وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئنا، فإذا أعرابيٌ قاعدٌ بين يديه فقال: إن هذا أتاني وأنا نائم فاخترط سيفي فاستيقظت وهو قائم على رأسي مخترط صلتاً قال: من يمنعك مني؟ قلت: الله. فشامه ثم قعد فهو هذا. قال: ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم"، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"ووقع في رواية بن إسحاق بعد قوله (قال: الله) : فدفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك أنت مني؟ قال: لا أحد. قال: قم فاذهب لشأنك، فلما ولَّى قال: أنت خير مني". والأحاديث في مثل هذا كثيرة، والشاهد فيها عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وتجريد افتقاره لله تعالى وحده مع ما فرض على المؤمنين من نصرته، ليُعلم أن نصرة المؤمنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم شرفٌ لهم لا حاجةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقضونها، وليُعلم أن التخاذل عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم منقصةٌ للمتخاذلين لا تضر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بشيء وقد كفاه الله تعالى حيث قال سبحانه:"أليس الله بكافٍ عبده"، قال القاضي عياض رحمه الله:"قيل: بكافٍ محمداً صلى الله عليه وسلم أعداءه المشركين". قلت: فليُعلم إذاً أن قوله تعالى :"إلا تنصروه فقد نصره الله" كما أنه خبر عن نصرة الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وكفايته إياه، فإن فيه معنى الوعيد والتهديد لمن تخاذل عن نصرته صلى الله عليه وسلم، لأنه متى أُعلن بأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد تمحض فسطاطان؛ أحدهما فسطاط عداوته والآخر فسطاط نصرته، فمن لم يهرع لفداء النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما يملك فقد اختار لنفسه فسطاط العداوة ولو بمجرد الصمت وما أخبثه من صمت، فلما ركن إلى أهل العداوة والتحق بفسطاطهم أصبح في عداوةٍ مع الله عز وجل لأن الله تعالى أخبر وهو أصدق القائلين أنه ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم لا محالة، فتأمل هذا وارثَ لحال من اختار خذلان نبي الله صلى الله عليه وسلم وعداوة الله عز وجل، نسأل الله السلامة والعافية.

عاشراً: بابٌ جامعٌ لقوله تعالى :"واصبر لحُِكم ربِّك فإنك بأعيننا":

هذا بابٌ جامعٌ لكل ما تقدم، فإذا تأملت أدركت رعاك الله كيف أحاط الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بسياج الحفظ والمنعة، وضرب من حوله فسطاط العظمة والتوقير والإجلال، فنهى ومنع من التقدم برأيٍ أو كلامٍ بين يديه صلى الله عليه وسلم، حتى إذا وُجِد داعي التخاطب معه صلى الله عليه وسلم منع من مناداته باسمه ومنع من التسمي بلقبه حتى لا يلتبس النداء ويتمكن العدو الغادر من الاستهزاء، وقصر نداءه صلى الله عليه وسلم على مثل يا رسول الله ، يا نبي الله، والموفَّق من قدَّم بين يدي ذلك بالتفدية بالنفس والأهلون، حتى إذا جاء الإذن بالكلام في حضرته صلى الله عليه وسلم كان النهي والمنع من رفع الصوت إجلالاً وتوقيراً لمجلسه من أن يعلو فيه صوتٌ فوق صوته صلى الله عليه وسلم، ثم إذا كان الإذن بالكلام مَنع من تناول ألفاظٍ قد تكون مدعاة إساءة في الخطاب وسوء أدب في السلوك معه صلى الله عليه وسلم، بل أمر بهجر ألفاظٍ لا لشيء إلا لأنها قريبة من ألفاظ يكيده بها أعداؤه صلى الله عليه وسلم لتكتمل بذلك البراءة من أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إذا جاء الكلام بهذه القيود والضوابط منع من الانبساط والاسترسال في المجلس حتى لا يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم بتعب أو ملل، ولكن هيهات أن يؤذن لأحد بقيامٍ من مجلسه صلى الله عليه وسلم إلا بإذن، فإذا كان الإذن كان الانصراف مسموحاً به، وهم لا ينصرفون عنه صلى الله عليه وسلم إلا بأجسادهم أما قلوبهم فمعلَّقة به صلى الله عليه وسلم، ثم حذَّر سبحانه وتعالى أحداً أن ينال جناب النبوة بأذى، ولو كان من أزواجه بشيء تستدعيه طبيعة النساء وهنَّ مَن هنَّ في الورع والتقوى وخشية الله عز وجل وتوقير النبي صلى الله عليه وسلم، فنبه بهذا الأدنى على المحذور والمحظور الأعلى وهو أذى أعدائه من المنافقين المبغضين الشانئين، ولما لم يكن يكفي هؤلاء التنبيه والتحذير كان الوعيد الشديد لهم بالعذاب الأليم في الدنيا تقتيلاً وفي الآخرة في النار تخليداً، ولما كان وقوع الأذى والكيد داعياً للمؤمنين لنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم أكد سبحانه وتعالى على أن مقام النبوة أعز عند الله تعالى من أن يُحيجَ نبينا صلى الله عليه وسلم لأحد، فتكفل بنصرته سبحانه وتعالى وإعلاء شأنه وقطع دابر شانئه وبتره وُجوداً وذِكراً، لتكتمل بهذا المشهد الجليل معالم صيانة الله تعالى لجناب النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي هو صلوات الله وسلامه عليه، ألا فليعلم أن من شتم مِن هذا مكانه عند الله تعالى فقد اختار لنفسه أن يُؤذِنَه اللهُ تعالى بحربٍ ينتصر بها لنبيه صلى الله عليه وسلم، فلبئس ما اختار الهالك المعتدي على مقام صفوة خلق الله أجميعن، ولنعم ما نصر الله تعالى وأعز به مقام نبيه صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين.

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٥٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٥٩١