تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً. الحمد لله الذي أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى صراطه المستقيم بإذنه وسراجاً منيراً، أقام الله تعالى به الملة العوجاء وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صُمَّاً وقلوباً غُلفاً، أرسله سبحانه وتعالى على حين فترة من الرسل، وأنزل عليه خير كتبه وآخر رسالاته وختم به النبوات فكان خير النبيين وخاتمهم عليه أفضل الصلاة والسلام. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبعد؛

فلقد تتابعت سهام الكفر والشرك على أمة الإسلام تترى، فتارةً تنال دماءَنا وتارةً تنال أموالَنا، وتارةً تنال نساءَنا وتارةً تنال أولادَنا، وتارةً تنال ديارَنا وتارةً تنال أوطانَنا، غير أن ذلك كله هينٌ إذا ما طالت سهام الكفر والغدر أحبَّ خلق الله تعالى إلينا وأكرم خلقه سبحانه وتعالى عنده، ذاك شمس النبوة ومصباح الهداية وقائد الأمة وشفيعها بإذن الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا نالت سهام الحقد النتنة مقام النبوة وتعرضت لجناب الرسالة هان عنده كل مصاب، وبات كل مصاب بعده جلل، فلا الديار ولا الأموال ولا النفوس ولا الأهلون تفي فداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إلى الله المشتكى من الخَوَر والخذلان، وإلى الله المشتكى ممن يرى ويسمع ولكن لا تُبصر له عين ولا تعي له أذن، بل كالحجارة الصماء والدواب البكماء، ولو استثيرت هذه الدواب في بعض ما فيه معاشها لهبَّت ونهضت واستنهضت، فلا نامت أعين الجبناء...

ولئن كان مصابنا في سبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مصاباً عظيماً، فإن الفاجعة تزداد ألماً وسوءاً عندما نرى ممن ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاهلاً بحق النبي صلى الله عليه وسلم، تاركاً لسنته التي شرعها الله تعالى وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاقبة أمثال هؤلاء المجرمين، فإذا به لما جهل خطاب الشرع أو تجاهل عنه يلجأ إلى ما تمليه العقول والأفكار وينضبط بضوابط الأعراف و"البروتوكولات"؛ يغضب لكن بمقدار، ويُنكر لكن بعد إذن، ويزمجر ولكن بصمت، ويستنصر ولكن بأعداء الله، يدعو على الشاتم ولكن بعد موافقة ولي الأمر، ويتبرأ لكن ممن يريد حق الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدَق الفاروق عمر رضي الله عنه وأرضاه حين قال:"إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأى فضلوا وأضلوا "، وكما نبَّه رضي الله عنه على الداء فلقد نبَّه على الدواء فقال:"سيأتي أناسٌ سيجادلونكم بشبهات القرآن خذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله "، نعم أصحاب السنن، سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام الراضين المرضيين هم أعلم بكتاب الله وبحكم الله، ولمَّا لم يكن سبُّ الرسول صلى الله عليه وسلم جريمةً مبتدعة اليوم بل كانت جريمةً قديمةً قِدم الرسالة والبعثة، فتارة رموه بالسحر وتارة بالجنون، وتارة نظموا في هجائه الشعر، وتارة حثُّوا القيان على التغني بسبِّه، فلا بد وأن يكون الوحي قد نطق بحكم هؤلاء قرآناً وسنةً، والأمر كذلك، فكان لا بد من المصير إلى حكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء، إذ لا يخفى أن صدرونا لم تشفَ وغيظ قلوبنا لم يذهب بتلك البيانات الهزيلة والاستنكارات الخافتة، والدعوات الغريبة لإقامة مؤتمرات التقارب وغير ذلك من الترَّهات، لم يذهب شيءٌ من ذلك بما في قلوبنا من غيظٍ وكمدٍ تجاه أولئك المجرمين، ولن يذهب غيظ قلوبنا حتى نرى حكم الله تعالى فيهم نافذاً إنه خير مأمول وأكرم مسؤول.

المفصل في شرح الشروط العمرية · الصفحة ٥٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في شرح الشروط العمريةص ٥٧٦