إن مسئوليتنا أمام ربنا تحتم علينا أن نحول بكل ما نملك من خبرة وعلم وجهد دون استهلاك هذا الشباب في مواجهات غير متكافئة لم يعدوا لها، ولم يختاروا زمانها..
كما أنها تحتم الحيلولة دون استهلاك هذا الشباب نفسه في صراعات داخلية في نطاق الحركة نفسها سببها الأساسي قلة العلم، وقلة الفقه، وقلة الخبرة.
الاختلاف والفرقة أشدا خطراً: ومع التحذير الذي قدمناه من المخاطر الخارجية، نحذر كذلك من مخاطر داخلية داخل الصحوة نفسها هو خطر الاختلاف والفرقة، بل إن هذا الخطر أشد تدميراً من خطر الإجهاض الخارجي، ذلك أن الخطر الخارجي إنما يمارس دوره من خلال منافذ وثغرات في البناء، وأخطر هذه الثغرات والمنافذ هي الاختلاف والفرقة، وبقدر ما ندعو إلى الحذر من الخطر الخارجي ندعو كذلك إلى ألا نجعل من هذا الخطر " شماعة " نعلق عليها عجزنا ونبرر بها فشلنا، بل إنا لا يجب أن نلوم القوى الخارجية، أو نتوقع منها شيئاً آخر غير ما تفعله بنا، وإنما يجب أن نلوم أنفسنا.
لقد قامت هذه القوى أساساً على استغلال الغير، ولذا فلا توجد حدود أو اعتبارات تردعها عن هذا الاستغلال، وهذه القوى لا تعرف إلا شيئاً واحداً اسمه (المصالح)، وهي من أجل ضمان هذه المصالح لا تتورع عن ارتكاب أشنع الجرائم التي تؤثمها أية معايير أخلاقية، ذلك أن السياسة الغربية فصلت منذ قرون فصلاً تاماً وكاملاً ونهائياً بين الأخلاق من أي نوع وبين المصلحة سواء كانت مصلحة قومية أو فردية، وذلك منذ أن دانت بدين المذهب الطبيعي الذي يقول: بالبقاء للأصلح الذي هو الأقوى، وليس الأحسن خلقاً، والذي يؤمن أصحابه إيماناً مطلقاً بحق القوي في استغلال الضعيف وتسخيره، بل فرقوا بين نوعين من الأخلاق: أخلاق القوة التي ترى الرحمة والشفقة والإحسان والتسامح عجزاً وضعفاً؛ وأخلاق الضعف التي ترى الرحمة والشفقة والإحسان والتسامح ديناً وتقوى؛ وهم يعدون الأولى هي الأخلاق التي تليق بالسادة المؤهلين تأهيلاً طبيعياً للسيادة والسيطرة، ويعدون الثانية هي أخلاق العبيد المؤهلين أيضاً تأهيلاً طبيعياً للخضوع والذل والمسكنة، وقد ساد هذا المذهب في الغرب والشرق، فظهر في فرنسا في صورة الوضعية التي أسسها (أوجست كونت) وفي إنجلترا في صورة المذهب الحسي عند (بنتام) وفي صورة الفلسفة التطورية عند (دارون) و (هربرت سبنسرا)، بل إن هربرت سبنسر صرح بأن من حق الشعوب القوية استعمار الشعوب الضعيفة، وفي ألمانيا في فلسفة القوة عند نيتشه والذي مجد الشراسة والافتراس كخلق إنساني للأقوياء، وأفرز النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا، وفي إيطاليا سبق (ميكافيللي) إلى تقرير المذهب الذي يعرف باسمه اليوم ويدين به الساسة في كل بلد، والذي يقول بأنه لا أخلاق في السياسة، وفي أمريكا ظهر في صورة المذهب النفعي (البراجماتى) الذي أسسه وليم جيمس، وفي روسيا في صورة الشيوعية..
وعليه فيجب أن نتصرف على أساس أن سلوك الاستعماريين هو سلوك ثابت مؤسس على اعتقاد راسخ، وليس مجرد نزوات طارئة أو وقتية..
ولاشك أن الذي مكن وما يزال يمكن للاستعماريين فينا هو عجزنا وضعفنا وهواننا وفرقتنا، ولكن حين يكون التفرق والاختلاف في الصحوة التي تعقد عليها الآمال في خروج الأمة الإسلامية من بئر الهوان فإن الأمر لا يحتمل التلكؤ، وإنه جد خطير..
ولنواجه الواقع الإسلامي دون لف أو دوران، ودون مواربة لأن ذلك يعني ترك الخرق يتسع، والشق يتحول إلى شقوق تؤدي في نهاية الأمر إلى انفجار الصحوة من داخلها، وساعتها لا ينفع الندم، وساعتها لن يكون الحساب حساب الذين اختلفوا وحدهم، وإنما سيكون أيضاً حساب الذين عرفوا وسكتوا، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
اختلاف الناس: لا أقول إنه يمكن رفع الاختلاف كلية، لأن الاختلاف في الناس سنة من سنن الله - تعالى -من أجلها خلقهم، قال - تعالى -: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود /118].
جاء في تفسير هذه الآية: »يخبر - تعالى -أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر كما قال - تعالى -: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً)، وقوله: (ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ) أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم.
قال عكرمة: مختلفين في الهدى، وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخر بعضهم بعضاً، والمشهور الصحيح الأول« [تفسير ابن كثر 1 /464-465].
الاختلاف في المسلمين أكثر منه في أهل الكتاب السابقين: بل لقد حذر الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث الفرق المشهور من أن الاختلاف في أمته سيكون أكثر من الاختلاف في اليهود والنصارى، وقد روي هذا الحديث بطرق كثيرة منها ما رواه أبو داود في سننه من حديث معاوية بن أبى سفيان -رضي الله عنهما-، أنه قام فقال: ألا إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فينا فقال: »إلا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة، وإنه سيخرج من أمتي أقوام تَجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلَب بصاحبه«.