تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكثيراً ما يحاسب الإنسان على المباح كما يحاسب على المفروض، ألا ترى أنك لو عمدت بعد منصف الليل إلى المذياع ففركت أذنه حتى ذاع بأعلى صوته، أو أخذت أنت تغني بملء حنجرتك لانزعج الجيران ولاموك، ولطرق بابك العسس لتخرس مذياعك أو تغضض من صوتك وإلا نالك العقاب؟ أليس سماعك للإذاعة أمراً مباحاً لك أن تسمعها متى شئت وكيف شئت، فلم قيدت حريتك إذن؟

الجواب: قيدت بنظام خاص أو عام لا يجوز تجاوزه، فكيف بما فرض الله على عبادة الذين آمنوا بألوهيته وربوبيته، وارتضوا لأنفسهم شريعته ودينه فهل هم أحرار في عبادته والصلاة له، أم مقيدون بأوامره ملزمون بتنفيذها؟

سادساً: نعم، الصلاة حاجة ضرورية جداً تستدعيها حياة الإنسان كما تستدعي الطعام والشراب، ذلك لأن الطعام والشراب قوام الجسم ومادة العيش، والصلاة قوام الروح ومادة الطمأنينة ترفع صاحبها عن سفاسف الأمور فيستقيم في شؤونه كلها استقامته بين يدي ربه في الصلاة.

والصلاة هي الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، وقد ورد في الحديث: ﴿ بين الكفر والإيمان ترك الصلاة ﴾.

وماذا يستفيد الإسلام من هؤلاء المسلمين المزيفين إذا كانوا يخالفون عن أوامره؟ أليسوا كالولد العاق يوافق أهله نسباً ويخالفهم سلوكاً؟ وهل يرجى خير ممن لا يرجو لنفسه الخير؟

لا نريد نحن المسلمين أن نكون كغثاء السيل، نعد بمئات الملايين والصالحون لا يتجاوزون عشراتها، ورصاصة واحدة ملأى بالبارود تقتل بها عدواً - خير من كومة من الرصاص الفارغ وهل يرفع الخباء ألف وتد أن لم يكن له عماد فيالوسط؟ وعماد الإسلام الصلاة.

والصلاة حاجة ضرورية جداً للإنسان لأنها تهذب أخلاقه وتشذب طباعه، وتحول بينه وبين بؤر الفساد والزيغ، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وكيف يرتكب الخطايا من يعلم أنه سيقف بعد قليل بين يدي ربه جل وعلا ولا يقبل منه هذا الوقوف إلا إذا كان طاهراً في قلبه ونفسه وأعضائه؟ ألم ترى كيف كف أكثر المسلمين عن الخمر لما نزل قوله تعلى: لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى [النساء:43] فيكف يقربونها وهم متلبسون بجريمة السكر؟ ولا بد من قربها لأنها تتكرر عليهم كل يوم خمس مرات، فلتهجر الخمر إذن نهائياً، ليبقوا دائماً على استعداد لملاقاة الله عز وجل.

والصلاة يا صاحبي ميزان يزن للإنسان أعماله التي قام بها بين الصلاتين كما يزن الطبيب حرارة المريض بين فترة وأخرى، فإن كانت أعماله صالحة قالت له: ثابر وتقدم، وإن كانت دون ذلك قالت له: ارجع واستقم، وإذا سمع المؤذن يعلن " الله أكبر" إنتبه إلى حالة وأدرك أن الله أكبر مما هو فيه، فانسل من دنياه ولبى منادي الله.

وثق تماماً أن من يصلي هو إنسان يرجى فيه خير والاستقامة، وإن كنت تجده في كثير من أحواله منحرفاً، إذ لا بد من أن تردعه صلاته يوماً عن هذا الانحراف، لأنه يقرأ في صلاته القرآن، ومهما يكن غافلاً فلا بد من أن تمر به لحظات يتدبر فيها معاني ما يقرأ فتهتز أوتار قلبه وتستيقظ روافد الخير فيه. وهذا يؤيده قوله: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ [العنكبوت:45] أما من لم يصل فلا يقرأ القرآن ولا ينتفع منه بشيء، ويبقى سادراً في غيه متخطباً في آثامه.

سابعاً: وليس الله تبارك وتعالى بحاجة إلى صلاتنا، بل نحن بحاجة إلى أن نصلي له، إنه غني عن خلقه، وخلقه كلهم فقراء إليه يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17] لقد خلقهم عراه حفاة صفر الأكف ضعاف الجسم جامدي التفكير، لا يفرقون بين التمرة والجمرة، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فغذاهم وقواهم وأمدهم بالصحة والعقل والمال وسخر لهم ما في السموات والأرض، وأسبغ عليهم نعمته ظاهرة وباطنه، أتراه بعد هذا العطاء الجزيل - وهو مالك الملك وبيده خزائن السموات والأرض يفتقر إلى صلاتنا؟

لا، وإنما صلاتنا إعلان صريح عن حبنا له واعترفنا بفضله وشكرنا على نعمة.

إن هؤلاء الذين يهملون شأن الصلاة آتاهم الله من النعم مثل ما أتانا وربما يزيدهم منها علينا، غير أننا نعترف به بالفضل وهم ينكرونه، ونسوا يوم ولادتهم، يوم لا يملكون شيئاً، وغفلوا عن يوم موتهم يوم يتركون لورثتهم ما جمعوه لينعموا به وهم يحاسبون عليه، لقد تجرؤوا على الله واستكبروا عن عبادته فسوف يلقون غياً إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

لم ألزمت نفسك بالإسلام يا تارك الصلاة إن كنت غنياً عنه؟ ولم لا تصلي إن كنت موقناً به؟ أيسوؤك أن يقال: إنك متدين تخشى الله؟ أيسرك أن يقال: إنك فاسق تحاد الله؟ كيف تطيع أوامر رؤسائك وتعصي أوامر الله؟ أفرؤساؤك عندك أعلى قدراً وأعظم شأناً من الله؟ الله أعلى وأجل.

دخل حصين بن عبيد على رسول الله يعاتبه ويلومه في تحدّيه كفار قريش وتسفيه أحلامهم وسب آلهتهم فأقام الرسول الحجة عليه ودفع باطله بكلمة حق فأذعن وآمن وكان قلبه أقسى من الحجر، قال عليه الصلاة والسلام: ﴿ يا حصين كم تعبد من إله؟ ﴾ قال: سبعاً في الأرض وواحداً في السماء، ﴿ قال: فإذا أصابك الضر من تدعو؟ ﴾، قال: الذي في السماء، ﴿ قال: فإذا هلك المال من تدعو؟ ﴾، قال: الذي في السماء، ﴿ قال:فيستجيب لك وحده وتشركهم معه؟... ياحصين أسلم تسلم ﴾.

المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالى · الصفحة ٢٠١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالىص ٢٠١٦