تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أكثر الله من ذكرها في كتابه العظيم، لعظم شأنها وشدة حاجة أهلها إليها، ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ويكفي لعظم شأنها أنها قرنت بالتوحيد والصلاة قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]. ويقول سبحانه في سورة التوبة: فَإِن تَابُواْ أي من الشرك وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ [التوبة:5]. وجاء ذلك في آيات كثيرات، وفي الأحاديث الصحيحة أيضاً الشيء الكثير من ذلك، ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال: ﴿ أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ﴾ [البخاري ومسلم]. وقد ثبت عن معاذ بن جبل حين بعثه النبي إلى اليمن معلماً ومرشداَ وداعياً إلى الله عز وجل أنه قال له: ﴿ إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﴾ [البخاري ومسلم] وفي لفظ ﴿ فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله ﴾ [البخاري] والمعنى: ابدأ بالتوحيد والتوجه بالعبادة لله وحده، فهذا أهم أمورهم وهو توحيد الله وتقواه وهو أوجب الأمور، ولهذا بدأ الرسول بدعوة الناس إلى الله.

فقد مكث بمكة عشر سنين يدعو إلى التوحيد قبل أن تفرض الصلوات والزكاة، يدعو الناس إلى أن يخلصوا الله بالعبادة وأن يخلعوا ما كانوا يعبدون من دون الله من أصنام وأوثان وغير ذلك. ثم بعد ذلك فرضت الصلوات واستمر في الدعوة لتوحيد الله. فالتوحيد هو أحب الأمور إلى الله وأوجبها على العبد وهو: ( إخلاص العبادة لله وحده ) فلا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به ولا يتوكل إلا عليه مع الإيمان بالرسول والإيمان بأنه رسول الله حقاً إلى جميع الثقلين. وأكثر الخلق في إعراض عن هذا الأمر العظيم وعدم إقبال عليه إنما يتبعون أهواءهم كما قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44]. فيجب على كل مكلف من الجن والانس أن يتقي الله وأن يعبد الله وحده، لأنه خلق لهذا الأمر كما قال الله تعالى في سورة الذاريات: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. فالإنسان خلق ليعبد ربه وليخصه بالعبادة وليدعوه وليستغيث به وليخافه ويرجوه وليصلي له وليصوم له وليزكي له وليحج له، فكل العبادات يجب أن تكون لله وحده كما قال سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:163،162].

فالواجب على جميع الثقلين عبادة الله وحده وأن يخصوا الله بذلك، وأن يخلصوا لله في العبادة ولا يشركوا معه لا ملكاً ولا نبياً ولا جنياً ولا إنسياً ولا ولياً ولا غير ذلك، فالعبادة حق الله وحده كما قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:23]. وقا ل سبحانه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]. والعبادة تكون بالدعاء وبالذبح وبالنذر والصوم والصلاة والخوف والرجاء، وكثير من الناس لا يعرفون هذا الأمر ولا يخصون الله بالعبادة كما قال سبحانه: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]. وقال سبحانه: وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ [الأنعام:116].

المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالى · الصفحة ١٩٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في فقه الدعوة إلى الله تعالىص ١٩٨٢