وبعد أن علمنا أن مقولة ( ولكن عائشة لا تقدر على أن تذكره بخير ) لم ترو بسند مقبول عن ابن عباس ؛ بل إن المعروف المعلوم أن عائشة قد ذكرت علي بن أبي طالب وفاطمة وبقية أصحاب الكساء بالخير والفضل ؛ فلا بد من معرفة السبب الذي دعاها رضوان الله عليها للتصريح باسم العباس دون اسم الرجل الآخر ؟؟ والسبب بكل بساطة هو : أن الروايات قد جاءت مصرحة باسم الرجل الآخر ، ولكن فيها اختلاف في تسمية الرجل الآخر ، ولذلك فقد حُمل الحديث على أنهم كانوا يتعاقبون حمل الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة واحدة ، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه أحدهم ، بينما العباس رضي الله عنه كان ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم طوال مسيره من الجهة الثانية ، وهذا هو كل ما في الموضوع ، أما الكراهية والبغض والشحناء ، وعدم المقدرة على ذكر الفضائل وغيرها ، فهي كلام هباء منثور كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، فكيف يصدق به عاقل ؟؟؟؟ وقد خفي هذا الأمر على ابن عباس ، لأنه رأى علياً يعضد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم ير الباقين ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ، ومن رأى حجة على من لم ير ، وهل ننفى الرواية لأن ابن عباس رأى جزءاً منها وغاب عنه الباقي ؟؟!!
ثم لننظر إلى هذا المؤلف القدير كيف ينسف كل ما بناه في السابق عند قوله : ( فإذا عرفناها تبغض علياً إلى حد لا تقدر أن تذكره بخير ، ولا تطيب نفسها به ، وتحاول إبعاده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتدعي لأبيها ولنفسها ما لا أصل له ، بل لقد حدثت أمّ سلمة بالأمر الواقع فقالت : ( والذي أحلف به ، إن كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : عدنا رسول الله غداة بعد غداة فكان يقول : جاء عليّ ؟!! ـ مراراً ـ قالت : أظنه كان بعثه في حاجة ، قالت : فجاء بعد ، فظننت أن له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت ، فقعدنا عند الباب ، فكنت أدناهم إلى الباب ، فأكبّ عليه علي فجعل يساره ويناجيه ، ثم قبض رسول الله ) ، ولا أدري كيف تطيب نفس هذا الأحمق بقبول هذه الرواية ، مع أن فيها الكثير من المخالفات والمحاذير ، ومع أن الحاكم قال : إن هذا الحديث صحيح ، إلا أن الحاكم معروف بتساهله في تصحيح الأحاديث ، ولننظر نظرة سريعة في رجال الإسناد لنطبق ما تعلمناه من المحقق الكبير الميلاني :
جاء في المستدرك : أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي ، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، حدثني أبي ، ثنا عبد الله بن محمد بن شيبة قال : ثنا جرير بن عبد الحميد ، عن مغيرة ، عن أم موسى عن أم سلمة رضي الله عنها ، ولا أدري لماذا لم يطبق الميلاني إجراءات الفحص والتحري والسلامة للتأكد من صحة هذا الحديث مثلما قام به في نقده لروايات إمامة إبي بكر رضي الله عنها ، ولكن يبدو أنه قد أحس بالتعب فجأة !!! ولكي أختصر عليه الموضوع ، ففي سند هذا الحديث جرير بن عبدالحميد ، وهو ثقة عند أهل السنة والجماعة ، ولكنه اختلط في آخره عمره ، فحاله تماماً كحال عبدالملك بن عمير الذي رفض الميلاني قبول روايته لأنه اختلط في آخر عمره ، مع أن روايتهما لم تكن مما روياه في آخر عمرهما ، فلماذا تقبل رواية جرير ؟ ولا تقبل رواية عبدالملك بن عمير ؟؟!! وكذلك فقد رمي بالتدليس ، فحاله كالأعمش وغيره ، وكان أيضاً يسب معاوية علانية !! وحاله ليس بأقل من حال من أسقط الميلاني زوراً وبهتاناً عدالتهم لظنه أنهم أعداء لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه .
والمغيرة بن مقسم : كان يدلس ، وكان عثمانياً ، فحاله تماماً كحال أبي وائل : شقيق بن سلمة ، وقال عنه إسماعيل القاضي : ليس بقوي فيمن لقي لأنه يدلس ؛ فكيف إذا أرسل ؟
وأما أم موسى : سرية علي بن أبي طالب ؛ فقد قال الدارقطني عنها : يخرج حديثها اعتباراً ، أي أن ما وافقت غيرها فيه فيعتضد به ، أما إن خالفت غيرها فحديثها مردود عليها ، ومن ذلك هذا الحديث ، لأن كبار الحفاظ قد أخرجوا خلاف ما ذكرت .
فما رأي الميلاني بهؤلاء الرواة ؟؟؟
وحتى إن صح حديث أم سلمة ، فلا معارضة بينه وبين حديث عائشة ، فيكون علي بن أبي طالب آخر من رآه من عموم الناس ، وعائشة هي آخر من رآه من خواصه ، لأنه كان في بيتها رضوان الله عليها ، مع أن الحديث باطل .
وأما قول الميلاني في آخر موضوعه : ( إذا عرفنا هذا كله ، وهو قليل من كثير ) فلا أدري أين هو هذا الكثير ؟ ولكن من المعلوم أن الكثير هو ما ذكرته قبل قليل من رواية عائشة رضي الله عنها فضائل علي وفاطمة رضي الله عنهما ، ولذلك فنحن ننتظر هذا الكثير الذي عند الميلاني .