- وقال أيضاً::نحمد الله أن أوجدنا في زمان قد أنمحص فيه الحق، واتضح من الطرفين وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصّرنا فغذرنا، واستغفرنا وأحببنا باقتصاد" وترحمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة أو بخطأ إن شاء الله مغفور وقلنا كما علمنا ربنا: ((رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر:10].
وترضّينا عمن اعتزال الفريقين كسعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسعيد بن زيد وخلق، وتبرأنا إلى الله من الخوارج المارقين الذين حاربوا علياً وكفروا الفريقين، فالخوارج كلاب النار قد مرقُوا من الدين ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار كما نقطع لعبدة الأصنام"([13]).
- وقال أيضاً: "ولا نذكر أحداً من الصحابة إلا بخير ونترضى عنهم، ونقول هم (أي معاوية وأصحابه) طائفة من المؤمنين بغت على الإمام علي وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله عليه لعمار (تقتلك الفئة الباغية)، فنسأل الله أن يرضى عن الجميع وأن لا يجعلنا ممن في قلبه غل للمؤمنين ولا نرتاب أن علياً أفضل من حاربه وأنه أولى بالحق رضي الله عنه"([14]).
- وقال أيضاً: "ما نقرّر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنه أجمعين وما زال يمر بنا في الدواوين والكتب والأجراء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه، وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين على العامة وآحاد العلماء، وقد يُرخّصُ في مطالعة ذلك خلوةُ للعالم المنصف العري عن الهوى بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله تعالى.." إلى أن يقول: "فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفّرة لما وقع منهم وجهاد محَّاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، ونقطع بأن بعضهم أفضل من بعض.. فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك فلا تعرّج عليه ولا كرامة فأكثره باطل وكذب وافتراء ودأب الروافض رواية الأباطيل أو ردّ ما في الصحاح والمسانيد ومتى إفاقة من ربه سكران"([15]).
- وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي في معتقد أهلي السنة: "ويرون تعلُّمَ العلم وطلبه من مظانَّه، والجدّ في تعلم القرآن وعلومه وتفسيره، وسماع سنن الرسول صلى الله عليه وسلم وجمعها، والتفقه فيها، وطلب آثار الصحابة، والكف عن الوقيعة فيهم، وتأول القبيح عليهم، ويكلونهم في جرى بينهم على التأويل إلى الله عز وجل"([16]).
- وقال العلامة سعد الدين التفتازاني: "ويجب تعظيم الصحابة والكف عن مطاعنهم، وحمل ما يوجب بظاهرة الطعن فيهم على محامل وتأويلات سيما المهاجرين والأنصار، وأهل بيعة الرضوان، ومن شهد بدراً وأحداً والحديبية، فقد انعقد على علو شأنهم الإجماع، وشهدت بذلك الآيات والأخبار الصحاح، وتفاصيلها في كتب الحديث والسير والمناقب وكف اللسان عن الطعن فيهم([17]).
- وقال عبد الله بن سوار العنبري قاضي البصري المتوفي سنة 228هـ: "السنة عندنا تقديم أبي بكر وعمر وعثمان والحب للصحابة جميعاً، والكف عن مساوئهم، وعظيم الرجاء لهم"([18]).
قلت: ولهذا كان السلف يوصون بعدم الخوض فيما شجر بين الصحابة.
- وقال الشافعي –رحمه الله- للربيع: "أقبل مني ثلاثة أشياء لا تخض في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن خصمك النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ولا تشتغل بعلم الكلام فإني أطلعت من أهل الكلام على أمر عظيم، ولا تشتغل بالنجوم، فإنه يجر إلى التعطيل"([19]).
- وقال سفيان الثوري –رحمه الله-: "لا تشتم السلف وادخل الجنة بسلام"([20]).
- وقال العلامة السفاريني –رحمه الله-:
واحذر من الخوض الذي قد يزري بفضلهم مما جرَى لو تدري
فإنّه عن اجتهاد قد صدر فاسلم أذّل الله من لهم هجر
قال: "ولهذا اتفق أهل الحق ممن يعتد به في الاجتماع على قبول شهادتهم ورواياتهم وثبوت عدالتهم، ولهذا قال علماؤنا كغيرهم من أهل السنة ومنهم ابن حمدان في "نهاية المبتدئين": يجب حب كل الصحابة والكف عما جرى بينهم كتابة وقراءة وإقراءً وسماعاً وتسميعاً، ويجب ذكر محاسنهم والترضي عنهم والمحبة لهم وترك التحامل عليهم واعتقاد العذر لهم وأنهم إنما فعلوا ما فعلوا باجتهاد سائغ لا يوجب كفراً ولا فسقاً بل ربما يثابون عليه؛ لأنه اجتهاد سائغ، ثم قال يعني ابن حمدان: "والمصيب عليّ ومن قاتله فخطؤه معفو عنه".
- وقال السفاريني: "والذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تركية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم.
- وقال في شرحه للنظم السابق: "وإنما نهى عن الخوص؛ لأن الإمام أحمد كان ينكر على من خاص، ويسلم أحاديث الفضائل، وقد تبرأ رضي الله عنه ممن ضللهم أو كفّرهم وقال السكوت عما جرى بينهم"([21]).