تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة ، وصحة السياسة ، وإصابة الفكرة .

وليس لهذا حد ؛ لأنه ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل .

ونماؤه يكون بأحد وجهين : إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى ولا صاد من شهوة ، كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة وصحة الروية بكثرة التجارب وممارسة الأمور .

ولذلك حمدت العرب آراء الشيوخ حتى قال بعضهم : المشايخ أشجار الوقار ، ومناجع الأخبار ، لا يطيش لهم سهم ، ولا يسقط لهم وهم ، إن رأوك في قبيح صدوك ، وإن أبصروك على جميل أمدوك .

وقيل : عليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر ، وتصدت لأسماعهم آثار الغير .

وقيل في منثور الحكم : من طال عمره نقصت قوة بدنه وزادت قوة عقله .

وقيل فيه : لا تدع الأيام جاهلا إلا أدبته .

وقال بعض الحكماء : كفى بالتجارب تأدبا وبتقلب الأيام عظة .

وقال بعض البلغاء : التجربة مرآة العقل ، والغرة ثمرة الجهل .

وقال بعض الأدباء : كفى مخبرا عما بقي ما مضى وكفى عبرا لأولي الألباب ما جربوا .

وقال بعض الشعراء : ألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب وقال آخر : إذا طال عمر المرء في غير آفة أفادت له الأيام في كرها عقلا وأما الوجه الثاني فقد يكون بفرط الذكاء وحسن الفطنة .

وذلك جودة الحدس في زمان غير مهمل للحدس ، فإذا امتزج بالعقل الغريزي صارت نتيجتهما نمو العقل المكتسب كالذي يكون في الأحداث

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٧