وأما العقل المكتسب فهو نتيجة العقل الغريزي وهو نهاية المعرفة ، وصحة السياسة ، وإصابة الفكرة .
وليس لهذا حد ؛ لأنه ينمو إن استعمل وينقص إن أهمل .
ونماؤه يكون بأحد وجهين : إما بكثرة الاستعمال إذا لم يعارضه مانع من هوى ولا صاد من شهوة ، كالذي يحصل لذوي الأسنان من الحنكة وصحة الروية بكثرة التجارب وممارسة الأمور .
ولذلك حمدت العرب آراء الشيوخ حتى قال بعضهم : المشايخ أشجار الوقار ، ومناجع الأخبار ، لا يطيش لهم سهم ، ولا يسقط لهم وهم ، إن رأوك في قبيح صدوك ، وإن أبصروك على جميل أمدوك .
وقيل : عليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر ، وتصدت لأسماعهم آثار الغير .
وقيل في منثور الحكم : من طال عمره نقصت قوة بدنه وزادت قوة عقله .
وقيل فيه : لا تدع الأيام جاهلا إلا أدبته .
وقال بعض الحكماء : كفى بالتجارب تأدبا وبتقلب الأيام عظة .
وقال بعض البلغاء : التجربة مرآة العقل ، والغرة ثمرة الجهل .
وقال بعض الأدباء : كفى مخبرا عما بقي ما مضى وكفى عبرا لأولي الألباب ما جربوا .
وقال بعض الشعراء : ألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب وقال آخر : إذا طال عمر المرء في غير آفة أفادت له الأيام في كرها عقلا وأما الوجه الثاني فقد يكون بفرط الذكاء وحسن الفطنة .
وذلك جودة الحدس في زمان غير مهمل للحدس ، فإذا امتزج بالعقل الغريزي صارت نتيجتهما نمو العقل المكتسب كالذي يكون في الأحداث