فكل ما خرج عندهم عن المال كان فارغا ، وكل ما عدا الإفضال به كان هينا ، وقد قدمنا من القول في شروط الإفضال ما أقنع .
وأما إفضال الاستكفاف ؛ فلأن ذا الفضل لا يعدم حاسد نعمة ومعاند فضيلة يعتريه الجهل بإظهار عناده ، ويبعثه اللؤم على البذاء بسفهه فإن غفل عن استكفاف السفهاء ، وأعرض عن استدفاع أهل البذاء ، صار عرضه هدفا للمثالب ، وحاله عرضة للنوائب ، وإذا استكفى السفيه واستدفع البذيء صان عرضه وحمى نعمته .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة ﴾ .
وقالت عائشة رضي الله عنها : ذبوا بأموالكم عن أحسابكم .
وامتدح رجل الزهري فأعطاه قميصه ، فقال له رجل : أتعطي على كلام الشيطان ؟ فقال : من ابتغى الخير اتقى الشر .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ من أراد بر الوالدين فليعط الشعراء ﴾ .
وهذا صحيح ؛ لأن الشعر ساتر يستر به ما ضمن من مدح أو هجاء ومن أجل ذلك قيل : لا تؤاخ شاعرا فإنه يمدحك بثمن ويهجوك مجانا ، ولاستكفاف السفهاء بالإفضال شرطان : أحدهما : أن يخفيه حتى لا ينتشر فيه مطامع السفهاء فيتوصلون إلى اجتذابه بسبه ، وإلى ماله بثلبه .
والثاني : أن يتطلب له في المجاملة وجها ويجعله في الإفضال عليه سببا ؛ لأنه لا يرى أنه على السفه واستدامة البذاء .
واعلم أنك ما حييت ملحوظ المحاسن محفوظ المساوئ .
ثم من بعد ذلك حديث منتشر لا يراقبك صديق ، ولا يحامي عنك شقيق ، فكن أحسن حديث ينشر يكن