تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما امتنع الإنسان من طلب العلم لكبر سنه واستحيائه من تقصيره في صغره أن يتعلم في كبره ، فرضي بالجهل أن يكون موسوما به وآثره على العلم أن يصير مبتدئا به .

وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل ؛ لأن العلم إذا كان فضيلة فرغبة ذوي الأسنان فيه أولى .

والابتداء بالفضيلة فضيلة .

ولأن يكون شيخا متعلما أولى من أن يكون شيخا جاهلا .

حكي أن بعض الحكماء رأى شيخا كبيرا يحب النظر في العلم ويستحي فقال له : يا هذا أتستحي أن تكون في آخر عمرك أفضل مما كنت في أوله ، وذكر أن إبراهيم بن المهدي دخل على المأمون وعنده جماعة يتكلمون في الفقه فقال : يا عم ما عندك فيما يقول هؤلاء : فقال : يا أمير المؤمنين شغلونا في الصغر واشتغلنا في الكبر .

فقال : لم لا نتعلمه اليوم ؟ قال : أو يحسن بمثلي طلب العلم ؟ قال : نعم .

والله لأن تموت طالبا للعلم خير من أن تعيش قانعا بالجهل .

قال : وإلى متى يحسن بي طلب العلم ؟ قال : ما حسنت بك الحياة ؛ ولأن الصغير أعذر وإن لم يكن في الجهل عذر ؛ لأنه لم تطل به مدة التفريط ولا استمرت عليه أيام الإهمال .

وقد قيل في منثور الحكم : جهل الصغير معذور ، وعلمه محقور ، فأما الكبير فالجهل به أقبح ، ونقصه عليه أفضح ؛ لأن علو السن إذا لم يكسبه فضلا ولم يفده علما وكانت أيامه في الجهل ماضية ، ومن الفضل خالية ، كان الصغير أفضل منه ؛ لأن الرجاء له أكثر ، والأمل فيه أظهر ، وحسبك نقصا في رجل يكون الصغير المساوي له في الجهل أفضل منه .

أدب الدنيا والدين · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أدب الدنيا والدينص ٣٦