وأما الثاني من أسبابها وهو نتاج الحيوان : فهو مادة أهل الفلوات وسكان الخيام ؛ لأنهم لما لم تستقر بهم دار ، ولم تضمهم أمصار افتقروا إلى الأموال المنتقلة معهم ، وما لا ينقطع نماؤه بالظعن والرحلة ، فاقتنوا الحيوان ؛ لأنه يستقل في النقلة بنفسه ، ويستغني عن العلوفة برعيه .
ثم هو مركوب ومحلوب ، فكان اقتناؤه على أهل الخيام أيسر لقلة مؤنته وتسهيل الكلفة به ، وكانت جدواه عليهم أكثر لوفور نسله واقتيات رسله إلهاما من الله لخلقه في تعديل المصالح فيهم ، وإرشاد العباد في قسم المنافع بينهم .
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ خير المال مهرة مأمورة وسكة مأبورة ﴾ .
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم مهرة مأمورة أي كثيرة النسل .
ومنه تأول الحسن وقتادة قوله تعالى : ﴿ أمرنا مترفيها ﴾ .
أي كثرنا عددهم .
وأما السكة المأبورة فهي النخل المؤبرة الحمل .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ﴿ في الغنم سمنها معاش ، وصوفها رياش ﴾ .
وروي عن أبي ظبيان أنه قال : قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما مالك يا أبا ظبيان ؟ قال قلت : عطائي ألفان .
قال : اتخذ من هذا الحرث والسائبات قبل أن تليك غلمة من قريش لا تعد العطاء معهم مالا ، والسائبات النتاج .
وحكي أن { امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إني اتخذت غنما أبتغي نسلها ورسلها وأنها لا تنمي .
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : ما ألوانها ؟ قالت :