الفصل تألف الأعداء بما ينئيهم عن البغضاء ويعطفهم على المحبة .
وذلك قد يكون بصنوف من البر ويختلف بسبب اختلاف الأحوال .
فإن ذلك من سمات الفضل وشروط السؤدد ، فإنه ما أحد يعدم عدوا ولا يفقد حاسدا .
وبحسب قدر النعمة تكثر الأعداء والحسدة ، كما قال البحتري : ولن تستبين الدهر موقع نعمة إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد فإن أغفل تألف الأعداء مع وفور النعمة وظهور الحسدة ، توالى عليه من مكر حليمهم ، وبادرة سفيههم ، ما تصير به النعمة غراما والزعامة ملاما .
وروى ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودد إلى الناس ﴾ .
وقال سليمان بن داود عليهما السلام ، لابنه : لا تستكثر أن يكون لك ألف صديق ، فالألف قليل .
ولا تستقل أن يكون لك عدو واحد ، فالواحد كثير .
فنظم ابن الرومي هذا المعنى فقال : فكثر من الإخوان ما استطعت إنهم بطون إذا استنجدتهم وظهور وليس كثيرا ألف خل وصاحب وإن عدوا واحدا لكثير وقيل لعبد الملك بن مروان : ما أفدت في ملكك هذا ؟ قال : مودة الرجال .
وقال بعض الحكماء : من علامة الإقبال اصطناع الرجال .
وقال بعض البلغاء : من استصلح عدوه زاد في عدده ، ومن استفسد صديقه نقص من عدده .
وقال بعض الأدباء : العجب ممن يطرح عاقلا كافيا لما يضمره من عداوته ، ويصطنع عاجزا جاهلا لما يظهره من محبته ، وهو قادر على استصلاح من يعاديه بحسن صنائعه وأياديه .