الباب الرابع أدب الدنيا اعلم أن الله تعالى لنافذ قدرته وبالغ حكمته ، خلق الخلق بتدبيره وفطرهم بتقديره ، فكان من لطيف ما دبره وبديع ما قدره ، أنه خلقهم محتاجين وفطرهم عاجزين ، ليكون بالغنى منفردا وبالقدرة مختصا حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق ، ويعلمنا بغناه أنه رازق ، فنذعن بطاعته رغبة ورهبة ونقر بنقائصنا عجزا وحاجة .
ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان ؛ لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه ، والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه .
واستعانته صفة لازمة لطبعه ، وخلقة قائمة في جوهره .
ولذلك قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ وخلق الإنسان ضعيفا ﴾ .
يعني عن الصبر عما هو إليه مفتقر واحتمال ما هو عنه عاجز .
ولما كان الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان كان أظهر عجزا ؛ لأن الحاجة إلى الشيء افتقار إليه ، والمفتقر إلى الشيء عاجز به .
وقال بعض الحكماء المتقدمين : استغناؤك عن الشيء خير من استغنائك به .
وإنما خص الله تعالى الإنسان بكثرة الحاجة وظهور العجز نعمة عليه ولطفا به ؛ ليكون ذل الحاجة ومهانة العجز يمنعانه من طغيان الغنى وبغي القدرة ؛ لأن الطغيان مركوز في طبعه إذا استغنى ، والبغي مستول عليه إذا قدر .
وقد أنبأ الله تعالى بذلك عنه فقال : ﴿ كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ﴾ .
ثم ليكون أقوى الأمور شاهدا على نقصه ، وأوضحها دليلا على عجزه .
وأنشدني بعض أهل الأدب لابن الرومي رحمه الله : أعيرتني بالنقص والنقص شامل