تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقمار كله حرام باتفاق الفقهاء (1)، وهو مسقط للشهادة كذلك باتفاقهم، لما فيه من قتل للمواهب الإنسانية واعتماد على الحظ، وضياع للوقت فيما حرم الله عز شأنه، وزرع لبذور البغضاء والحقد والشقاق بين الناس، وعلاوة على ذلك فهو سبيل لأكل أموال الناس بالباطل والزور. ومن هنا جاء النهي عنه مقروناً بأشياء ينفر منها حِسّ الإنسان ويجفل منها كيانه، لأنها رجس من عمل الشيطان، ولأنها كلها حزمة واحدة هي من معالم الجاهلية ومفاخرها، قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) (2)

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" (3) وهذا أيضاً اقتران وتشبيه يجعل المسلم بعيدا عن هذه العادة الذميمة. ولشناعة المقامرة وبشاعتها وخطرها على الدين والخلق أمر الإسلام طالبها -ولو لم يفعل- بالصدقة تكفيراً لخطيئته في كلامه بهذه المعصية، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف، فقال في حلفه: واللاتِ والعزّى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق" (4). فإذا اقتضى مطلق القول طلب الكفارة والصدقة المنبئة عن عِظم ما وجبت له أو سنت، فما ظنك بالفعل والمباشرة (5).

وما يكسبه المقامر بالقمار هو كسب خبيث حرام بلا ريب، والواجب في الكسب الخبيث الحرام تفريغ الذمة من تبعته، وذلك برده إلى صاحبه إن كان معلوماً، أو صرفه في المصالح أو التصدق به على الفقراء إن كان مجهولا (6)، مع التوبة والاستغفار، ولا يكون التحلل منه إلا بذلك.

المطلب الثالث: تملك المال الحرام بالاختلاس أو القهر ونحوه

من المقرر شرعاً أنه لا يجوز أخذ مال الغير إلا عن رضاه وطيب نفسه، وفي حدود ما أذن

(1) الدر المختار 5/ 482 - 483، الشرح الكبير بحاشية الدسوقي 6/ 62، البيان للعمراني 13/ 288، كشاف القناع 6/ 535.

(2) المائدة:90 - 91.

(3) رواه مسلم في الشعر باب: تحريم اللعب بالنردشير برقم (5856)، وأبو داود في الأدب (4939)، وابن ماجة في الأدب (3763).

(4) رواه البخاري في التفسير باب: أفرأيتم اللات والعزى برقم (4579)، ومسلم في الإيمان باب: من حلف باللات برقم (4236).

(5) الزواجر لابن حجر 2/ 198، وينظر قريبا من هذا المعنى: شرح مسلم للنووي 11/ 106.

(6) الفتاوى الهندية 3/ 210، الجامع لأحكام القرآن 3/ 237، المجموع 9/ 351.

المال الحرام تملكه، وإنفاقه، والتحلل منه · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المال الحرام تملكه، وإنفاقه، والتحلل منهص ١٦