.. فكما أوجب المجتهدون وحرّموا وكرهوا واستحبوا أموراً لم تصرح بها الشريعة في دولة الظاهر؛ فكذلك العارفون أوجبوا أموراً وحرموا وكرهوا واستحبوا أموراً في دولة الأعمال الباطنة؛ فالاجتهاد واقع في الدولتين...
* وقفة يجب أن تكون- هنا- طويلة جدًّا، ولكن لا مناص من تقصيرها: فالمجتهدون استنبطوا أحكاماً من النصوص؛ وهي موافقة لها ولكليات الشريعة الِإسلامية، بينما هؤلاء (العارفون) أوجدوا- عن طريق الكشف- عقائد لا تمت إلى الِإسلام بصلة، بل جاء الِإسلام وكل الأنبياء لمكافحة هذه العقائد.
أكرر القول: إن هؤلاء (العارفين) جاءوا بعقائد غريبة، وبنوا عليها أحكاماً غريبة!! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نتابع.
.. فإن قيل: فلمَ رمّز القوم كلامهم في طريقهم بالاصطلاح الذي لا يعرفه غيرهم، إلا بتوقيف منهم كما مر؟ ولم لم يظهروا معارفهم للناس- إن كانت حقاً كما يزعمون- ويتكلموا بها على رءوس الأشهاد كما يفعل علماء الشريعة فى دروسهم، فإن في إخفاء العارفين معارفهم عن كل الناس رائحة ريبة، وفتحاً لباب رمي الناس لهم بسوء العقيدة وخبث الطوية؟
فالجواب: إنما رمَّزوا ذلك رفقاً بالخلق ورحمة بهم، وشفقة عليهم - (كذب ومغالطة، بل رمَّزوا خوفاً من سيف الحلاج) - وقد كان الحسن البصري! وكذلك الجنيد والشبلي وغيرهم، لا يقررون علم التوحيد إلا في قعور بيوتهم، بعد غلق أبوابهم، وجعل مفاتيحها تحت وركهم! ويقولون: أتحبون أن ترمى الصحابة والتابعون الذين أخذنا عنهم هذا العلم بالزندقة بهتاناً وظلماً.
* وقفة: هذا الكلام- أي: اتهام الحسن البصري والصحابة والتابعين بهذا الاتهام- هو البهتان والظلم، فقد كان الصحابة والتابعون والحسن البصري بريئين من هذه الزندقة، وفي كلامهم واتهامهم هذا مغالطة جريئة جدًّا جدًّا جدًّا. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نتابع.