ولو أُخضع الذين يتعاطون هذه المهلسات إلى إيحاءات الشيخ والجو الصوفي مدة كافية من الزمن، لصارت هلوساتهم مثل هلوسات الصوفية تماماً: عروجاً إلى السماء، واجتماعاً بالملائكة والأنبياء، ووصولاً إلى العرش، وحضوراً مع الله (جل وعلا)، وفناءً فيه حلولاً أو اتحاداً أو وحدةً، حسب الإيحاءات التي يُحقنون بها.
وفي هلوسات الصوفية التي يسمونها الكشف والفتح والعلم اللدني، والتي يرونها أثناء الجذبة، براهين تُضاف إلى ما سبق، على أن جذبة الإشراق هي نفس جذبة التحشيش والأفينة؛ لأن مشاهداتهم في هذه نفس مشاهداتهم في تلك، والفرق بينهما ناتج عن الفرق بين الأماني والمعلومات المختزنة؛ ولأن الحالة النفسية في كلتيهما واحدة.
وتبرز ملحوظة مفيدة؟ فقد رأينا في فصل سابق أن هز الرأس على الطريقة النقشبندية قد يوصل إلى الجذبة بعد إحدى وعشرين هزة، أو بعد تكرارها، مما يدل على أن المادة المهلسة المفرزة إنما تفرزها بعض أنسجة الدماغ أو بعض الغدد القابعة في ثناياه.
فهل الأمر كذلك؟
نعم إنه لكذلك! ففي الدماغ منطقة تُفرز مادة شبه قلوية لها مفعول المرفين، هذه المنطقة (تحت المهادية) واقعة في الجزء الأسفل من المخ، تفرز مادة (الأنْدُورفين) أي: (المورفين الداخلي) وهي أقوى من المورفين المعروف، وظيفة هذه المادة هي تخفيف الآلام الشديدة التي يمكن أن تكون قاتلة، تلطفها وتجعلها -بآلية معقدة- في الحدود غير المميتة.
كما أن هناك مادة ثانية يفرزها الدماغ اسمها (أنكيفالين)(1) لها نفس التأثير المخفف للآلام ونفس المفعول المورفيني، لكنها أضعف من المورفين.
نقرأ في المعجم الفرنسي (Larousse) تعريفاً لهاتين المادتين، ترجمته:
- أندورفين(2) (Endorphine): هرمون تفرزه الغدة تحت المهادية (Hypothalamus) له خصائص المورفين المسكِّنة.
(1) ليس لدي من المراجع ما يعينني على معرفة المنطقة التي تفرزها.
(2) يوجد عدة أنواع لكل من الأنكيفالين والإندورفين.