أما ما كان من أمر الأب توما وخادمه إبراهيم عمار فإني رأيت الناس كثيراً ما يتطلعون لمعرفة تفصيلات هذه الواقعة، والتحقيقات التي جرت فيها. ولكوني اطلعت على كل ذلك في كتاب (إشيل لوران) سآتيك بالخبر اليقين. غير أني قبل ترجمة تلك التحقيقات أقص عليك شذرات منها لتقف عليها على سبيل الإجمال، ويكون عندك في الذهن ما يساعدك على فهم محاضر التحقيق إن شاء الله.
اعلم أن مسألة قتل الأب توما الكبوشي وخادمه هي أهم مسألة حصلت من هذا القبيل. ولد هذا الرجل في (كجلياري) من (سردينيا) في إيطاليا نحو سنة /1780/ وسمي فرنسوا انطوان. فدخل رهبنة الكبوشية إذ كان له من العمر ثماني عشرة سنة، وكان ذلك في 15 يناير (كانون الثاني) سنة 1807 وبارح رومة مرسلاً لدمشق الشام حيث بقي فيها إلى يوم ذبح اليهود له سنة /1840/ فيكون هذا المرسل اشتغل بعمل الخير مدة ثلاث وثلاثين سنة مساعداً للإنسانية، عالماً غيوراً أديباً عفيفاً. وكان من أسخى الناس، رحيماً بالخلق، متعطفاً عليهم، محبوباً لكبيرهم وصغيرهم، عطوفاً على شريفهم ووضيعهم، كريم الأخلاق حسن الصحبة. وكان قد تعلم فن الصيدلة (الإجزاجية) وطالع في الكتب الطبية فكان يعالج المرضى في دمشق الشام مجاناً، سواء كانوا من المسلمين أو النصارى أو اليهود. وكان على الخصوص ماهراً بصناعة التطعيم ضد الجدري. فخدم البشرية خدمة تليق أن يحفظ له ذكر على صفحات قلوب محبي الخير العام. وكان الناس يأتون إليه أفواجاً من الشام وجميع القرى المجاورة لها. وكان رحمه الله يميل جداً نحو الطائفة الإسرائيلية متأملاً استجلابها إلى الدين المسيحي كما كان يعرب عن أفكاره بذلك مراراً. وكان جميع الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وطبقاتهم يعتبرون هذا الرجل ويوقرونه ويكرمونه كثيراً. ومن جملة أفعاله المشكورة تمسكه بالحق. فإن رجلاً جاءه يوماً طالباً منه أن يعقد له زواجاً على امرأة، فعلم الأب توما بأن طلب الرجل غير