وخافوا الرواطي إذا عرَّضتْ ... مَلاحسَ أولادهنّ البقرْ (1)
ولا شك في أن مغادرة الشاعر أهله الذين يبهظونه إلى قوم آخرين لا يعرفونه لم يكن قراراً سهلاً هيناً يقدم عليه دونما تقدير للأهوال التي تحف به، والمخاطر التي تنتظره، لكن كل شديدة دون همه تهون لا يعبأ بها إذا كانت معبراً ينقل المكروب إلى مغنى الفرج والإنفتاح، قال زهير بن مسعود:
وَ جسيمِ همٍّ قد رحلتُ له ... حتّى تَؤُوبَ بليّةً عَنْسِي
ففرجتُ هَمِّي بالعزيمة إ ... نَّ ... العزمَ يفْرُجُ غُمَّةَ اللّبْسِ (2)
إنّ الشاعر العازم على الرحيل لا يهمه ما يعقب قرار الرحيل من فقر مدقع وجدب مفزع في المكان المرتجى الذي يشد الرحال إليه، فلا الغنى يغريه بقبول المذلة، ولا الفقر يثنيه عن النجاة بنفسه وحسبه، قال المسيب بن علس:
أبلِغْ ضُبيعةَ أنّ البِلا ... دَ فيها لذي حسبٍ مهربُ
فقد يجلسُ القومُ في أصلهمْ ... إذا لم يضاموا و إنْ أجدبوا (3)
لم يكن المرتحل بغافلٍ عن المخاطر التي تواجهه في سفره، وتدخل إلى قلبه الرعب، وقد بان ذلك جلياً في الحديث الدائر بين الأعشى وعاذلته التي تريد إقناعه بالعدول عن السفر مبينة مخاوفها عليه التي هي في حقيقتها مخاوف الشاعر تسربت إلى نفسه وعاش على أثرها صراعاً بين أن ينصت لصوت هذه المخاوف فيحجم عن الرحيل، أو أن يلبي نداء الهم فينطلق إلى أرض الغربة حاملاً آماله الكبيرة معه، قال الأعشى:
تقول بنتي وقد قَرّبْتُ مرتحلاً: ... يا ربِّ جنِّبْ أبي الأوصابَ والوَجَعا
واستشفعتْ من سَراة الحيِّ ذا شرفٍ ... فقَدْ عصاها أبُوها و الذي شَفَعا
مهلاً بنيّ فإنّ المَرْءَ يَبْعَثُهُ ... هَمٌّ إذا خالطَ الحيزومَ وَ الضِّلَعا
(1) شعره: 41، الرواطي: موضع.
(2) قصائد جاهلية نادرة: ب 27/ 90.
(3) المسيب بن علس، حياته وشعره (في مجلة): 61.