يحتجب عن الأبصار ولا يخالط البشر (1)، وظنوا أن له بلاداً تسمى الحوش، والحوش تعني فيما تعني: الظُلمة والقوة والعنف (2)، وأرض الحوش لا يدخلها داخل إلاّ ويخرج منها وبه مس (3)، كما
زعموا أنه حيوان ناري (4).
وقد أنزل العرب الجن مراتب وأصنافاً (5)، وتصوروا له هيئات وأشكالاً وألواناً غريبة، فقد ذكر العباس من مرداس تلونه وتشكله بصور شتى، قائلاً:
أصابتِ العامَ رِعلاً غُولُ قومِهُمُ ... وسط البيوتِ ولونُ الغولِ ألوانُ (6)
كما أظهروه عبر خيالهم بصفات بشعة غير مألوفة تثير الرعب، متكئين في رسم تلك الصفات على عناصر جزئية من الواقع المحس، قال تأبط شرا:
إذا عينانِ في رأسٍ قبيحٍ ... كرأسِ الهرِّ مشقوقِ اللسان
وساقا مخدجٍ وشواة كلبٍ ... وثوبٌ من عباءٍ أو شنانِ (7)
أما الفلاة التي يقطعها طرفة بن العبد فجنها قديم عريق، وقدمه أدعى للخوف والرهبة، وهو بهذا النعت إنّما يؤكد جرأة نفسه على تخطي الموقف المهول وتحدي المكاره، قال:
وَركوبٍ تعزِف الجنُّ به ... قبل هذا الجيل من عهد أَبَدْ
------------------------ ... -----------------------
قد تبطّنتُ بِطِرْفٍ هيكلٍ ... غيرِ مَرْباء ولا جأبٍ مُكَدْ (8)
(1) لسان العرب: 1/ 701.
(2) نفسه: 2/ 1049.
(3) العمدة: 2/ 265.
(4) عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: 387.
(5) الحيوان: 6/ 193.
(6) ديوانه: 106.
(7) شعره: 176.
(8) ديوانه: 27 - 28، بطنت: أي صرت في بطنه أي وسطه، مرباء: متشاقل.