تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالشاعر إذْ ينوء بثقل الحاضر ويجدّ في الخلاص من أوزاره بالفرار منه إلى الماضي، لديه ما يسوغ به لهذا الفرار، فالحاضر عنده وعاء لكل المعاني البغيضة الباعثة على الوحشة والغثيان، وهو مسبوق بالماضي الزاخر بالمعاني التي تأنس لها النفس، فالحاضر جحيم كاوية تقترن بالخشونة والذلة والحرمان والشتات، وناس تفزع عشرتهم، ويقابله ماض لين لذيذ مجتمع الشمل في أُناس طاب معهم العيش واطمأنت لصحبتهم القلوب، فالحاضر في نظره لا يمثل إلاّ انضاعاً مرعبا ممجوجاً لا تنكشّف جوهريته إلاّ عبر صدمه بالماضي المشرق (1)، قال عبيد ابن عبد العزى السلامي:

تذكرتُ أياماً تسلَّفتُ بيتَها ... على لذَّةٍ لو يُرجَع المتسلَّفُ

كأنك لم تعهدْ بها الحيَّ جيرةً ... جميع الهوى في عيشهِ ما تُصَرَّفُ

إذْ الناسُ ناسٌ والبلادُ بعزةٍ ... وأنتِ بها صبُّ القرينة مُولِف (2)

إن الشاعر يفر إلى الماضي تحت تأثير الواقع الضاغط وأملاً في تأنيس نفسه المكابدة للوحشةِ، بيد أنه موقن أن عودة ذلك الماضي حلم لن يتحقق، قال الفِند الزِّماني:

إنّما ذكراك شيئاً قد مضى ... حلمٌ لم يُرجعِ الحُلمَ ادّكارُ (3)

وقال طرفة:

(1) مقالات في الشعر الجاهلي: 120، وينظر: الشعر والزمن: 19 - 20.

(2) قصائد جاهلية نادرة: 126.

(3) شعره: 14.

الخوف في الشعر العربي قبل الإسلام · الصفحة ٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخوف في الشعر العربي قبل الإسلامص ٦٢