تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جُمعا (1)

وليس من شك في أنّ الثأر في المجتمع العربي في عصر ما قبل الإسلام كان شبحاً مخيفاً يلاحق الواتر، وهماً كبيراً يؤرّق الموتور ويعكر صفو حياته حتى يدرك بثأره، ويسترد حقه فيشفي من غيظه بقتل مماثل، وقد خلع الشعراء تلك الصورة المفزعة على الدهر الذي يلاحق الأحياء باستمرار ويترصدهم وكأنه يجدّ في طلب أثآره منهم، وقد علا خوفهم منه حين رأوه غير عادل يستوي عنده الجاني والبريء ويتكافأ في معياره المسالم والشكس، قال الربيع بن ضبيع الفزاري:

ألم تَرَ أنَّ الدهرَ يا قومُ طالبٌ ... وإنْ لم أكنْ يوماً لأوتاره جاني

سيأخذُ ما أعطى وإن كان مُحسناً ... وما كان من شرخِ الشبيبةِ أولاني (2)

فالتارات غير العادلة للدهر كثيرة كثرة وجد فيها الشاعر مسوغاً للرهبة التي لازمته، والقتامة التي خيّمت على نظرته في الحياة، فالدهر يمنح الأشياء أقداراً دونما إنصاف كما يسلب الأقدار متى شاء وممن شاء دونما إنصاف أيضاً، يذل العزيز ويعز الذليل، ويرفع قوماً ويضع آخرين (3)، والناس يتلقون منه العسر واليسر (4)، وما منح نعمة حتى أردفها بنقمة، وما آسا جرحاً إّلا كان هو سبباً في حدوثه (5)، إنَّ هذه المتضادات التي يعد الشاعر الدهر

(1) ديوانه: 101.

(2) الربيع بن ضبيع الفزاري حياته وشعره: 50.

(3) ينظر: ديوان بشر بن أبي خازم: ق 26 ب 4/ 124، وديوان الأعشى: ق 79 ب 22/ 363.

(4) ينظر: ديوان حاتم الطائي: 51.

(5) ينظر: الأمالي: 1/ 143.

الخوف في الشعر العربي قبل الإسلام · الصفحة ٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخوف في الشعر العربي قبل الإسلامص ٤٦