تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنّ تجربة الإنسان المرّة مع الزمن هي هي تنتقل من نسل إلى نسل، وآية ذلك أن الناس يتواصون بالزمن ويحذّرون من غدره وغوائله (1). وغير منتظر من الدهر أن يغيّر طبعه المناوىء للإنسان، أو أن يكف عن سعيه الدؤوب لإحباطه، وما دام ذلك كذلك فإنّ الخوف منه سيظل قرين الوجود، وإن تجارب الأقوام السالفة معه لتؤكد صحة هذه الرؤية، وفي ضوء تلك المقايسة لن تكون تجربة الباقين معه إلاّ تكراراً لتجربة السابقين، فالدهر واحد متتابع وزمن مدور آخره كأوله وما لم يمضِ منه كالذي مضى، ومصير من بقي كمصير من فَنِي، قال حصين بن حذيفة الفزاري:

والدّهرُ آخرهُ شِبْهٌ لأوّله ... قومٌ كقومٍ، وأيّامٌ كأيّامِ (2)

لقد ضاق هذا الإنسان بالدهر ذرعاً وامتلأ منه رعباً، لأنه يسحقه، ويمعن في سحقه، ويؤرق ليله، ويشغل تفكيره، وقد باتت همومه الأخرى صغاراً دون همه الكبير، يسهل احتمالها وتهون ملاقاتها، ولكن ما أبعد الأمن عن المكبل بأغلال دهر جائر مطلق اليد في المصائر، موفور الأسباب لأحداث التغيير والإفساد والإخافة والقهر، قال طرفة بن العبد:

أرقتُ لهمٍّ أسهرتني طوارقُهْ ... وساعدني دمعي ففاضتْ سوابقُهْ

وبتُّ أراعي النّجم لا أطعمُ الكرى ... كأنّي أسيرٌ طائرُ القلبِ خافقه

يُعالج أغلال الحديد مكبّلاً ... وقد عُدْنَ بيضاً كالثُّغامِ مفارقه

ولم أبكِ طيفاً زار وهناً خيالُه ... ولا شاكِ خافي الخِدْرِ كنت أعانقه

(1) ينظر: ديوان لقيط بن يعمر الإيادى: ب 38/ 45.

(2) شعر قبيلة ذيبان في ا لجاهلية: 320، وينظر: ديوان الأعشى: ق 29 ب 9/ 195، وشرح ديوان زهير بن أبي سلمى: 385.

الخوف في الشعر العربي قبل الإسلام · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخوف في الشعر العربي قبل الإسلامص ٣٨