وقد نحا شعراء آخرون منحى الشاعرين السابقين في الدعوة إلى انتهاب اللذة والعكوف على المتعة قبل أن يدرك الموت أو يضمه التراب، قال امرؤ القيس:
تمتَّعْ من الدنيا فإنك فانِ ... من النَّشواتِ والنِّساءِ الحِسان
من البيض كالآرام والأدمِ كالدُّمى ... حواصِنها وَالمُبرِقاتِ الرَّواني (1)
وقال بشر بن أبي خازم:
وعشتُ، وقد أُفني طريفي وتالدي ... قتيلَ ثلاثٍ بينهنّ أُصَرَّعُ
فإنّ سقاطَ الخمر كانت خبالَه ... قديماً فلوموا شاربَ الخمرِ أوْ دَعُوا (2)
وحبُّ القِداحِ لا يزال منادياً ... إليها، وإن كانت بليلٍ تقعْقَعُ (3)
نغاءُ الحسانِ المرشقات كأنّها ... جآذرُ من بين الخُدور تطَلَّعُ (4)
ويلح الحارث بن ظالم المري في طلب اللذة قبل أن يحدق به الموت، قائلاً:
إعزفا لي بلذّةٍ قَيْنَتَيَّا ... قبل أن يبكر المنون عليّا
ما أبالي أراشداً فاصْبَحاني ... حَسِبتْني عواذلي أمْ غويّا
من سلافٍ كأنّها دمُ ظبيٍ ... في زجاجٍ تخاله رازقيّا (5)
(1) ديوانه: 87 - 88، الأدم: اللاتي يضربن إلى السمرة، الحواصن: العفائف المبرقات: اللواتي يبرقن للرجال بحليهن ومحاسنهن، الرواني: الدائمات النظر.
(2) سقاط الخمر: شرب الخمر.
(3) تقعقع الشيء: صوت عند الحركة.
(4) ديوانه: 119، نغاء الحسان: محاثتهن، المرشقات: الظباء التي تمد أعناقها وتنظر/ ويقصد بها النساء.
(5) الحارث بن ظالم المري الوافي الفاتك: 376، وينظر: شعر خداس بن زهير: ق 1 ب 5 - 8/ 40، والأصمعيات: ق 48 ب 1 - 4/ 148،وطبقات الشعراء: 1/ 293 - 294.