إن التبديل المكاني لا يضع حداً للخشية التي تسكن الإنسان، ما دام التبديل لا يقوى على حجب الموت نفسه، يقول أبو ذؤيب الهذلي:
يقولون لي لو كان بالرّملِ لم يَمُتْ ... نُشيبةُ والطُّرَّاقُ يَكذبُ قِيلُها
ولو أنني استودعته الشمس لارتقتْ ... إليه المنايا عينُها وَ رسولُها (1)
فماذا إذن يجدي التغيير وارتياد البلاد والمرء مرصود من الموت كل حين؟ وهو إنْ سعت به رجلاه فراراً منه لا يتجاوز الدائرة التي يؤطرها الموت ولا فكاك له من قيده الراسف فيه، يقول الأعشى:
فهلْ يمنعنيّ ارتيادي البلا ... دَ مِنْ حذرِ الموتِ أنْ يأتينْ؟
أليس أخو الموت مستوثقاً ... عليّ وإن قلت قد انسأن؟
عليّ رقيبٌ له حافظٌ ... فقل في امرىء غلقٍ مرتهن (2)
إنه لا يفلت من الموت أنّى ذهب، بل إن الفرار منه قد يكون سبباً للفرار إليه، والوقوع في شركه، قال أمية بن أبي الصلت:
يوشِكُ مَنْ فَرّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... في بعضِ غِرَّاتِهِ يُوافِقُها (3)
(1) ديوان الهذليين: 33 - 34، وينظر: ديوان الحماسة: ق12 ب5 - 7/ 259، وديوان عروة بن الورد: 107، والمهلهل بن ربيعة حياته وشعره (رسالة جامعية): ق56 ب1/ 346.
(2) ديوانه: 15.
(3) أمية بن أبي الصلت حياته وشعره: 240.