وقولهم : " أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟" استفهام من استبعد حصول أجر بفعل مستلذ ، يحث الطبع عليه ؟ وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع من تصفُّح الأكثر من الشريعة ، وهو أن الأجور إنما تحصل في العبادات الشاقة على النفوس المخالفة لها . ثم إنه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أجابهم على هذا بقياس العكس ، فقال : " أرأيتم لو وضعها في حرام ؟ " ونظمه : كما ياثم في ارتكاب الحرام ، يؤجر في فعل الحلال . وحاصله راجغ إلى إعطاء كل واحد من المتقابلين ما يقابل به الآخر من الذوات والأحكام .
وقد اختلف الأصوليون في هذا النوع من القياس ، هل يعمل عليه أم لا ؟ على قولين . وهذا الحديث حجة لصحة العمل بهذا النوع .
وقوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ : " إنه خُلِق كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل " ؛ الضمير في " إنه " ، ضمير الأمر والشأن ، والمفاصل : هي العظام التي ينفصل بعضها من بعض ، وقد سمّاها : سُلاميات . قال أبو عبيد : السُّلامى في الأصل : عظم في فِرْسَن البعير ، وقد تقدّم القول في السُّلاميات في الصلاة .ومقصود هذا الحديث : أن العظام التي في الإنسان هي أصل وجوده ، وبها منافعه ؛ إذ لا تتأتى الحركات والسكنات إلا بها ، والأعصاب رباطات ، واللحوم والجلود حافظات وممكنات ، فهي إذًا أعظم نعم الله على الإنسان ، وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصّها ، وهو أن يعطي صدقةً كما أُعطي منفعة ، لكن الله تعالى لطف وخفف بأن جعل التسبيحة الواحدة كالعطية ، وكذلك التحميدة ، وغيرها من أعمال البر وأقواله ، وإن قلّ مقدارها ، وأتم تمام الفضل أن اكتفى من ذلك كلّه بركعتين في الضحى ، على ما مرّ . وقد نبهنا على سرّ ذلك في باب صلاة الضحى .(1)
- - - - - - - -
الإيمان بالله وباليوم الآخر وحبُّ الخير للناس
(1) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (ج 9 / ص 22)