وَقَوْله - صلى الله عليه وسلم - : ( وَجَبَتْ وَأَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه ) وَلَوْ كَانَ لَا يَنْفَعهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُون أَعْمَاله تَقْتَضِيه لَمْ يَكُنْ لِلثَّنَاءِ فَائِدَة ، وَقَدْ أَثْبَتَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَهُ فَائِدَة . فَإِنْ قِيلَ : كَيْف مُكِّنُوا بِالثَّنَاءِ بِالشَّرِّ مَعَ الْحَدِيث الصَّحِيح فِي الْبُخَارِيّ وَغَيْره فِي النَّهْي عَنْ سَبِّ الْأَمْوَات؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ النَّهْي عَنْ سَبِّ الْأَمْوَات هُوَ فِي غَيْر الْمُنَافِق وَسَائِر الْكُفَّار ، وَفِي غَيْر الْمُتَظَاهِر بِفِسْقٍ أَوْ بِدْعَة ، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا يَحْرُم ذِكْرهمْ بِشَرٍّ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ طَرِيقَتهمْ ، وَمِنَ الِاقْتِدَاء بِآثَارِهِمْ وَالتَّخَلُّق بِأَخْلَاقِهِمْ ، وَهَذَا الْحَدِيث مَحْمُول عَلَى أَنَّ الَّذِي أَثْنَوْا عَلَيْهِ شَرًّا كَانَ مَشْهُورًا بِنِفَاقٍ أَوْ نَحْوه مِمَّا ذَكَرْنَاهُ . هَذَا هُوَ الصَّوَاب فِي الْجَوَاب عَنْهُ ، وَفِي الْجَمْع بَيْنه وَبَيْن النَّهْي عَنِ السَّبّ(1). وقوله : " أنتم شهداء الله في الأرض " ، قال الداودي : يعنى هذا عند الفقهاء : إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق ؛ لأن الفَسَقَة قد يُثنون على الفاسق ، فلا يدخل في الحديث . وكذلك لو كان القائل فيه عدوًّا له وإن كان فاضلاً ؛ لأن شهادته كانت في حياته غير مقبولة له وعليه وإن كان عدلاً .(2)
- - - - - - - - -
إفشاءُ السَّلام وإطعام الطعام
(1) - شرح النووي على مسلم - (ج 3 / ص 367)
(2) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم - (ج 8 / ص 83)