يَنْهَى اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ عَنِ الغُلُوِّ فِي دِينِهِمْ ، وَعَنِ المُبَالَغَةِ ، وَتَجاوُزِ الحُدُودِ التِي حَدَّها اللهُ ، وَيَأمُرُهُمْ بِألا يَعْتَقِدُوا إلاَّ القَوْلَ الحَقَّ الثَّابِتِ بِنَصٍّ دِينيٍّ مُتَوَاتِرٍ ، وَبُرْهَانٍ قَاطِعٍ . وَيَخُصُّ فِي خِطَابِهِ ، فِي هَذِهِ الآيَةِ ، النَّصَارَى الذِينَ غَلَوا فِي المَسِيحِ فَجَعَلُوهُ إلهاً يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللهِ . وَيَأْمُرُهُمُ اللهُ بِأنْ لاَ يَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ ، فَيَجْعَلُوا لَهُ صَاحِبَةً وَوَلَداً ، فَلاَ إله إلاَّ هُوَ ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ ، فَالمَسِيحُ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ ، وَخَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ ، خَلَقَهُ اللهُ بِكَلِمَةٍ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ ، وَنَفَخَ فِيهَا مِنْ رُوحِهِ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ تَعَالَى بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ ، وَبِالتَّصْدِيقِ بِأنَّ اللهَ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ ، وَهُوَ وَاحِدٌ أَحَدٌ ، لاَ صَاحِبَهٌ لَهُ وَلاَ وَلَدٌ ، وَأنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولَهُ إلَى اليَهُودِ . ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأنْ لاَ يَجْعَلُوا عِيسَى وَأُمَّهُ شَرِيكَيْنِ مَعَ اللهِ ، فِي الخَلْقِ وَالمُلْكِ ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُواً كَبِيراً .
ثُمَّ يَأْمُرُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَنْتَهُوا عَنْ هَذِهِ الأَقْوَالِ التِي هِيَ كُفْرٌ وَإِشْرَاكٌ ، لأنَّ فِي الانْتِهَاءِ عَنْ ذَلِكَ خَيْراً لَهُمْ .
ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى : إنَّ اللهَ وَاحِدٌ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَتَنَزَّهَ ، عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ أَوْ شَرِيكٌ ، وَجَمِيعُ مَا فِي الوُجُودِ مِنْ خَلْقٍ مُلْكَهُ ، وَهُمْ جَمِيعاً تَحْتَ قَهْرِهِ وَتَدْبِيرِهِ وَتَصْرِيفِهِ ، وَهُوَ وَكِيلٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ صَاحِبَةٌ أَوْ وَلَدٌ؟