قَالَ النَّوَوِيّ : هَذَا حَدِيث عَظِيم الْمَوْقِع ، وَهُوَ مِنْ أَجْمَع الْأَحَادِيث الْمُشْتَمِلَة عَلَى الْعَقَائِد ؛ فَإِنَّهُ جُمِع فِيهِ مَا يَخْرُج عَنْهُ جَمِيع مِلَل الْكُفْر عَلَى اِخْتِلَاف عَقَائِدهمْ وَتَبَاعُدهمْ . وَقَالَ غَيْره : فِي ذِكْر عِيسَى تَعْرِيض بِالنَّصَارَى وَإِيذَان بِأَنَّ إِيمَانهمْ مَعَ قَوْلهمْ بِالتَّثْلِيثِ شِرْك مَحْض ، وَكَذَا قَوْله : " عَبْده " وَفِي ذِكْر " رَسُوله " تَعْرِيض بِالْيَهُودِ فِي إِنْكَارهمْ رِسَالَته وَقَذْفه بِمَا هُوَ مُنَزَّه عَنْهُ وَكَذَا أُمّه ، وَفِي قَوْله : " وَابْن أَمَته " تَشْرِيف لَهُ ، وَكَذَا تَسْمِيَته بِالرُّوحِ وَوَصْفه بِأَنَّهُ " مِنْهُ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ ) فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَائِن مِنْهُ كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْآيَة الْأُخْرَى أَنَّهُ سَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاء كَائِنَة مِنْهُ ، أَيْ أَنَّهُ مُكَوِّن كُلّ ذَلِكَ وَمُوجِده بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَته .
وَقَوْله : ( وَكَلِمَته ) إِشَارَة إِلَى أَنَّهُ حُجَّة اللَّه عَلَى عِبَاده أَبْدَعَهُ مِنْ غَيْر أَب وَأَنْطَقَهُ فِي غَيْر أَوَانه وَأَحْيَا الْمَوْتَى عَلَى يَده ، وَقِيلَ : سُمِّيَ كَلِمَة اللَّه لِأَنَّهُ أَوْجَدَهُ بِقَوْلِهِ كُنْ ، فَلَمَّا كَانَ بِكَلَامِهِ سُمِّيَ بِهِ كَمَا يُقَال سَيْف اللَّه وَأَسَد اللَّه ، وَقِيلَ : لَمَّا قَالَ فِي صِغَره إِنِّي عَبْد اللَّه ، وَأَمَّا تَسْمِيَته بِالرُّوحِ فَلَمَّا كَانَ أَقْدَرَهُ عَلَيْهِ مِنْ إِحْيَاء الْمَوْتَى ، وَقِيلَ : لِكَوْنِهِ ذَا رُوح وُجِدَ مِنْ غَيْر جُزْء مِنْ ذِي رُوح .