تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يضرب عمر بن عبد العزيز أحدا من الرعية سوطا قط طيلة خلافته ، بينما كان من قبله من حكام بني مروان يسفكون الدماء ويستحلون المحرمات لأتفه الأسباب .. كان يعلم أن الله تعالي يغضب أشد الغضب علي الحاكم الخائن لأمته ، كما كان يعلم سوء مصير أى طاغية يستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .. ولعل آخر خطبة ألقاها تكشف جوهر هذا الحاكم الراشد ، والكثير من المبادئ الإسلامية العظيمة التي أفني شبابه وماله وعمره كله من أجل تطبيقها ونشرها بين الناس .. صعد رضي الله عنه إلي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :" أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ، ولم تتركوا سدى ، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله تعالى ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم الآخر وخافه ، وباع فانيا بباق ، ونافدا بما لا نفاد له ، وقليلا بكثير ، وخوفا بأمان .

ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين ، وسيكون ما بعدكم للآخرين ، حتى تردون إلى خير الوارثين ، فاتقوا الله قبل القضاء ، وراقبوه قبل نزول الموت بكم ... أما إني أقول هذا ، ولا أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي وأستغفر الله " ... ثم بكى رضي الله عنه حتى ابتلت لحيته وبكى الناس معه ... إنه عمر ذلك الخليفة الذي لم يجامع قط ولم يحتلم وهو خليفة رغم أنه كان في عنفوان الشباب ، وكانت له زوجة من أجمل نساء عصرها ، وجوار فاتنات ناعمات من كل جنس ولون .و عندما أصابه مرض الموت جاءوا إليه ببنيه وكانوا بضعة عشر ذكرا وقالوا له : أما تركت لهم شيئا من المال ؟ رد رضي الله عنه بيقين الأولياء : " والله لا أعطيهم حق أحد ، وهم بين رجلين ، إما صالح فالله يتولى الصالحين ، وإما غير ذلك فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله " ....

الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه · الصفحة ٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهص ٤١