تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن المسلم ـ منا ـ يعيش فى هذه الحياة بشخصية « مزدوجة » ويلقاها بنفس منقسمة على نفسها ، ولهذا كان مسيره فيها مضطربا مختلجا ، تتماوج أبعاضه بين مشرق ومغرب ، وشمال وجنوب ، فهو يتحرك فى مكانه ، حركة متماوجة مضطربة ، فلا يتقدم خطوة إلى الأمام ، على كثرة هذا الضرب المضطرب فى الأرض! والسبب فى هذا يرجع ـ فى تقديرنا ـ إلى « تميّع » العقيدة الدينية فى نفس المسلم ، وإلى اختلاط كثير من مسائلها فى تفكيره ، وعدم وضوح المعالم والحدود لكثير من أمور الدين عنده! وذلك ـ فى تقديرنا أيضا ـ يرجع إلى أمور كثيرة .. منها :

أولا : هذه الخلافات السياسية والمذهبية التي وقعت بين المسلمين منذ أعقاب الخلافة الراشدة ، فانعكست آثار هذه الخلافات السياسية والمذهبية على المسائل الدينية ، فجاءت تلك المسائل على وجوه كثيرة متناقضة متضاربة ، يلطم بعضها وجه بعض ، بحجج تسندها آية من كتاب اللّه ، متأولة على غير وجهها ، أو حديث ضعيف ، أو أثر مكذوب .. فتجد كل هذه الأقوال منطقا يقيمها ، أو ذكاء يدارى عوارها ، بما دخل المسلمين من مذاهب الجدل والسفسطة ، منذ قيام الدولة العباسية ، واتصال العرب والمسلمين بالثقافات والديانات الأخرى ، التي كانت تصبّ روافدها المتدفقة فى كيان الأمة العربية ، وفى محيط العقل الإسلامى.

وكان من هذا أن تشعبت مسائل الدين بين الطوائف المختلفة ، اختلافا دينيا سياسيا ، والتي انقسمت كل طائفة منها على نفسها ، فكانت فرقا تبلغ المئات عدا .. وقد ذهبت كل فرقة فى الدين مذهبا ، وأقامت لمذهبها حجته من كتاب اللّه ، وسنة رسول اللّه .. وهذا هو أفدح ما فى الأمر ، وأشنع ما فى هذا الخلاف!

فالمسألة الواحدة من مسائل الدين ، تأخذ دورة طويلة لا تكاد تنتهى أبدا ، فلا يكاد المسلم يمسك منها بطرف حتى تجره جرا إلى مسائل كثيرة ، تتولد منها وتتفرع ، وتبيض وتفرخ ، وإذا هو أمام عشرات من الصور « المهزوزة » للأمر

الخلاصةُ في تفسير سورة يس · الصفحة ١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصةُ في تفسير سورة يسص ١٦