فأجاب عمرو إجابة الجندى قد سَلَّمَ قِيادَهُ إلى أميرِهِ،بأنْ يأمره خليفةُ رسولِ الله بما شاء،فهو طَوْعٌ لأمره.. ارتاحت نفس الصديق لرد عمرو وأدبه الرفيع،وطلب منه أن يستنفر الناس الذين يقيم بينهم للجهاد فى الشام،وأن يَقْدُمَ المدينة لنفس السبب. وكتب أبو بكر بمثل ذلك إلى الوليد بن عقبة،فكان كعمرو نِعْمَ الجندي مع أميره.
لما أقبلت العربُ على أبي بكرمن كل حَدَبٍ وصَوْبٍ تريد الخروج للجهاد فى الشام،جمعهم تحت قيادة ذوي الدين والكفاءة،فوزعهم على أربعة جيوش،على كل واحد منها أميرٌ قوى أمينٌ..
فأبو عبيدة أمينُ الأمةِ على جيش...
وعمرو بن العاص القائدُ المُحَنَّكُ على جيش...
وشُرَحْبِيلُ بن حَسَنةَ الأميرُ التَّقِى على جيش...
ويزيدُ بنُ أبى سفيانَ القائدُ الصُّلْبُ على جيش...
وكانت عِدَّةُ الجنودِ فى هذه الجيوش حوالي ثمانية وعشرين ألفا،مقسمة بين القادة الأربعة. وأراد أبو بكر بهذا التقسيم أن ينفرد كل واحد من هؤلاء الأمراء بفتح ناحية من نواحى الشام،إلا أن ساحة الحرب هناك وواقع التواجد الروماني الضخم بالبلاد سيفرض على المسلمين شيئا آخر،بالرغم من فزع الروم واهتزازهم أمام هذه المفاجأة الكبيرة..
لم يكن أبو بكر عظيمًا وسط أقْزَام،فهذه عظمةٌ مزيفة،ولكنه كان عظيما تحيط به كوكبة من العظماء،وجد فيهم ضالَّتَه من القادة والجنود الذين وجههم لفتح فارس والروم،وكان أبو عبيدة بن الجراح أحد هذه الكواكب النّيّرة،فولاه أبو بكر قيادة أحد جيوش الشام،ووضعَ فى يده الإمارةَ العامة على جُنْدِ الشام.
مهمةٌ ما أثقلها على نفس المؤمن التقي،فهو إنْ أحسن خَشِي على نفسه الفتنةَ،وإن أساء أضر بإخوانه فى الدين والعقيدة.. فهو بين مخافَتَيْن!
وتحركت خيل أبي عبيدة فيها الكثير من المهاجرين والأنصار،والأرض تُقَبِّلُ أقدامَهم وحوافرَ خيولِهم،وسحبُ السماء تُقَبِّلُ رءوسَهم ووجوهَم التى بيَّضَها الوضوءُ وجمَّلَها السجود لرب الوجود.
وسلك أبو عبيدة بجنده طريق المُعْرِقَةِ،وهدفه مدينةُ حِمْصَ العريقة الحصينة،ومركز قيادته الجابِيَةُ وفى صدر هذا الشتاء مال جيش أبي عبيدة فى مسيره قريبا من البلقاء،فقاتله قوم على باب منها،ثم صالحوه،فكان أولَ صلح للمسلمين فى الشام.
في سبعة آلاف مقاتل،ما بين مُتَهَيِّبٍ من بني الأصفر يكتم الخوف فى صدره،ومتلهِّفٍ يبحث عن نصر دينه أو الشهادة،كان يزيد بن أبى سفيان أولَ خارجٍ بجيشه من بين جيوش الشام الأربعة.. وهدفه الذى يرمي إليه هو حصن الشام "دمشق" وكان يزيد قد ولاه أبو بكر عملَ خالد بن سعيد،وألحق