تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واستشارت بلقيس في شأن سليمان عليه السلام فيما حكى الله عنها بقوله:{ قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وإنَّما يلهي النَّاس عنها حبّ الاستبداد،وكراهية سماع ما يخالف الهوى،وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة،ولذلك يهرع المستبدّ إلى الشورى عند المضائق.

قال ابن عبد البرّ في بهجة المجالس:الشورى محمودة عند عامّة العلماء ولا أعلم أحداً رضِي الاستبداد إلاّ رجل مفتون مخادع لمن يطلب عنده فائدة،أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة،وكلا الرجلين فاسق.

ومثَل أوّلهما قول عمر بن أبي ربيعة :

واستَبَدّت مَرّة واحِدة... إنَّمَا العَاجِز مَن لا يستبدّ

ومَثل ثانيهما قول سَعْد بن نَاشِب :

إذا هَمّ ألقَى بين عينيه عزمه...ونَكَّب عن ذِكْر العواقب جانباً

ولم يستَشِرْ في أمره غَير نفسه...ولم يَرْضَ إلا قَائم السيف صاحباً

ومن أحسن ما قيل في الشورى قول بشار بن برد :

إذا بَلغ الرأيُ المَشُورة فاستَعن...بحزم نصيح أو نصيحة حازم

ولا تحسب الشُورى عليك غضاضة...مَكانُ الخَوافي قُوّة للقَوادِم

وهي أبيات كثيرة مثبتة في كتب الأدب. أ هـ (1)

وقد قال تعالى مثنياً على المؤمنين ومعدداً بعض صفاتهم:((والَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وأَقَامُوا الصَّلاةَ وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) [الشورى/38].

قال القرطبي عند تفسير هذه الآية: كانت الأنصار قبل قدوم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إليهم إذا أرادوا أمراً تشاوروا فيه ثم عملوا عليه؛ فمدحهم الله تعالى به؛ قاله النقاش . وقال الحسن:أي إنهم لانقيادهم إلى الرأي في أمورهم متفقون لا يختلفون؛ فمدِحوا باتفاق كلمتهم .. (2)

وقال تعالى مخاطبا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :((فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ في الأَمْرِ)) [آل عمران:159].

وعَنِ الْحَسَنِ،فِي قَوْلِهِ: " " وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ " قَالَ: قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ إِلَيْهِمْ حَاجَةٌ،وَرُبَّمَا قَالَ: لَيْسَ لَهُ إِلَيْهِمْ حَاجَةٌ،وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ". (3) .

(1) - البحر المحيط ـ نسخة محققة - (3 / 409) والتحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية - (4 / 148) و جامع لطائف التفسير1-28 - (17 / 416)

(2) - النكت والعيون للماوردي - (4 / 72) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (1 / 4966)

(3) - تفسير ابن أبي حاتم - (3 / 241) (4465)صحيح

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ٥٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ٥٨٣