تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالوا: إن الخليفة وحد المصاحف كلها في مصحف واحد،وجمع المصاحف الأخرى وأحرق أوراقها.

وقالوا: إن الخليفة تَرَكَ قصرَ الصلاة بمنى أثناء حجه،بينما كان الرسول وصاحباه يقْصرون الصلاة.

وقالوا: إن الخليفة لم يُقم حدَّ القتل على عبيدِ الله بنِ عمر.

وقالوا: إن الخليفة ردَّ الحَكَمَ بنَ أبي العاص،وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد نفاه.

وقالوا: إن الخليفة علا على درجة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على المنبر،وقد انحطَّ عنها أبو بكر وعمر.

على أن الخليفة ـ رضي الله عنه ـ أمام المعارضة الأخرى النزيهة التي واجه بها أصحابُه بعضَ قراراته،لم يقف موقفَ المستعلِي على الرأي،ولا المستكبر عن الحق،بل وقف على ملأ من المسلمين في يوم الجمعة،يعترف بما عساه يكون وقع فيه من أخطاء،ويرفع ضراعته إلى الله مستغفرا وتائبا،باكيا ومبكيا جميعَ الذين كانوا هناك يستمعون إليه وينصتون..!!

وأمام موقفه العظيم هذا،تبددت الموجة الأولى من الهجوم على المدينة،ذلك الهجوم الذي كان المتمردون قد انطلقوا به من مصر،حيث كان يقيم العديد من القبائل اليمنية التي شاركت في الردة من قبل،وبقِيتْ على همجيتها الجاهلية،ولم يكن للنظام والاستقرار الاجتماعي في تفكيرها موضع.

لقد كان سجلا من الأعمال الرائعة هذا الذي كتب فيه صحابة محمد - صلى الله عليه وسلم - خُطا مسيرتهم.. وجاء مَن بعدهم يُجِل ويحترم هذه المنزلة والمكانة الخاصة للصحب الكرام،خاصة السابقين منهم إلى نصرة الدين والعمل به وله. وكان الخليفةُ الراشدُ عثمانُ من هؤلاء السابقين،بل من خاصَّتِهم،فحضر أعظم المشاهد،ووقف في نصرة الدين ومؤازرة الرسول أجلَّ المواقف..

لكن عندما اشتعلت أصوات الاعتراض على الخليفة،لم يترك الثائرون بابا للعيب فيه إلا لمزوه منه،وعابوا عليه من خلاله،حتى حاولوا أن يَقلِبوا الحقائقَ،فاجتهدوا في التقليل من قيمة سَبْق عثمان إلى طاعة الله ورسوله ونصرة الدين،فقالوا: لم يحضر بدرا،وانهزم يوم أحد،وغاب عن بيعة الرضوان..

وقد زرعوا هذه الافتراءاتِ في نفوس الناس؛ حتى إن رجلا من أهل مصر جاء ليؤدي فريضة الحج،ورأى مجلسا لقريش،فسأل عن شيخهم،فأخبروه بأنه ابن عمر،وأخذ يسأله عن هذه الأمور التي صدَّقها هذا الرجل المسكين.

فأخذ ابن عمر يبين له،ويزيل مِنْ رأسه هذه الشبهات بقوله: " أما فراره يوم أحد فأَشهدُ أن الله عفا عنه،وغفر له،وأما تغيُّبه عن بدر فإنه كان تحته بنتُ رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وكانت مريضة فقال له رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - :إن لك أجرَ رجلٍ ممن شهد بدرا وسهمَه.. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان،فلو كان أحد أعزَّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه،فبعث رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عثمان ..".

إن العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر،وأتمَّها أخوهما وصِنْوُهما ذو النورين عثمان مِنْ جمعِ القرآن وتثبيتِه وتوحيدِ رسمِه،كان لهم بها أعظم المنة على المسلمين،وبها حقق الله وعده بحفظ كتابه كما قال سبحانه: ( إنا نحن نزلنا الذِّكْرَ وإنا له لحافظون) [ الحجر: 9].

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين · الصفحة ١٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدينص ١٩٣