وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَهْبُ مُؤْمِنٍ أَوِ الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ أَوْ يَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالاً بِغَيْرِ حَقٍّ »أخرجه أحمد (1) .
وقد أورد الجصاص في « أحكام القرآن » تفصيلا لا بأس من الإلمام به قال :
« قال الله تعالى : ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ﴾ روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر . قال أبو نضرة لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين ، ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم . . وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد ، لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار ، ولم يأمرهم النبي عليه السلام بالخروج ، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال ، وإنما ظنوا أنها العير ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن خف معه . فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا ، انحازوا إلى المشركين ، غلط لما وصفنا . . وقد قيل : إنه لم يكن جائزاً لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن الانحياز جائزاً لهم عنه ، قال الله تعالى : ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ﴾ فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وينصرفوا عنه ويسلموه ، وإن كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس ، كما قال الله تعالى : ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وكان ذلك فرضا عليهم ، قلت أعداؤهم أو كثروا ، وأيضاً فإن النبي - - صلى الله عليه وسلم - كان فئة المسلمين يومئذ ، ومن كان بمنحاز عن القتال فإنما كان يجوز له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - فئتهم يومئذ ، ولم تكن فئة غيره . قال ابن عمر : كنت في جيش ، فحاص الناس حيصة واحدة ورجعنا إلى المدينة . فقلنا : نحن الفرارون . فقال النبي عليه السلام : » أنا فئتكم « فمن كان بالبعد من النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه ، فلم يكن يجوز لهم الفرار
وقال الحسن في قوله تعالى : ﴿ ومن يولهم يومئذ دبره ﴾ قال : شددت على أهل بدر . وقال الله تعالى : ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ﴾ وذلك لأنهم فروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك يوم حنين فروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعاقبهم الله على ذلك في قوله تعالى : ﴿ ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ، فلم تغن عنكم شيئاً ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ، ثم وليتم مدبرين ﴾ . . فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قل العدو أو كثر ، إذا لم يجد الله فيه شيئاً . وقال الله تعالى في آية أخرى : { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال ، إن يكن منكم عشرون صابرون
(1) - مسند أحمد (8971) حسن