تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثَّانِي" أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْجَاسُوسُ وَهُوَ مُذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَد. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَد التَّوَقُّفُ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَمِمَّنْ يُجَوِّزُ التَّعْزِيرَ بِالْقَتْلِ فِي"الذُّنُوبِ الْكِبَارِ " أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَوَاضِعَ يُسَمُّونَ الْقَتْلَ فِيهَا سِيَاسَةً كَقَتْلِ مَنْ تَكَرَّرَ لِوَاطُهُ أَوْ قَتْلُهُ بالمثقل؛ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ قَتْلَهُ سِيَاسَةً وَتَعْزِيرًا؛ وَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ بَلْ وَلَا يُجَوِّزُهُ فِيمَنْ فَعَلَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً " (1)

وقال ابن القيم رحمه الله:" اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ التَّعْزِيرِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى قَدْرِ الْجَرِيمَةِ، فَيَجْتَهِدُ فِيهِ وَلِيُّ الْأَمْرِ.

الثَّانِي: وَهُوَ أَحْسَنُهَا - أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْرَ الْحَدِّ فِيهَا، فَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ عَلَى النَّظَرِ وَالْمُبَاشَرَةِ حَدَّ الزِّنَا، وَلَا عَلَى السَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ حَدَّ الْقَطْعِ، وَلَا عَلَى الشَّتْمِ بِدُونِ الْقَذْفِ حَدَّ الْقَذْفِ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى الْحُدُودِ: إمَّا أَرْبَعِينَ، وَإِمَّا ثَمَانِينَ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ.

وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.

وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِالتَّعْزِيرِ الْقَتْلَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا:" يَجُوزُ، كَقَتْلِ الْجَاسُوسِ الْمُسْلِمِ، إذَا اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ قَتْلَهُ "،وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.

وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ نَحْوَ ذَلِكَ فِي قَتْلِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْبِدْعَةِ، كَالتَّجَهُّمِ وَالرَّفْضِ، وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ. وَقَدْ قَتَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ، لِأَنَّهُ كَانَ دَاعِيَةً إلَى بِدْعَتِهِ.

وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَكَذَلِكَ قَتْلُ مَنْ لَا يَزُولُ فَسَادُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ. وَصَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَتْلِ اللُّوطِيِّ إذَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ تَعْزِيرًا وَكَذَلِكَ قَالُوا: إذَا قَتَلَ

(1) - مجموع الفتاوى (35/ 405) وانظر: مجموع الفتاوى (28/ 345)

الخلاصة في أحكام التجسس · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام التجسسص ٢٧