كان قد آن لهم أن يكونوا مجتمعاً جديداً، مجتمعاً إسلامياً، يختلف في جميع مراحل الحياة عن المجتمع الجاهلي، ويمتاز عن أي مجتمع يوجد في العالم الإنساني، ويكون ممثلاً للدعوة الإسلامية التي عانى لها المسلمون ألواناً من النكال والعذاب طيلة عشر سنوات.
ولا يخفى أن تكوين أي مجتمع على هذا النمط لا يمكن أن يستتب في يوم واحد أو شهر واحد، أو سنة واحدة، بل لا بد له من زمن طويل يتكامل فيه التشريع والتقنين مع التثقيف والتدريب والتربية تدريجياً، وكان اللَّه كفيلاً بهذا التشريع، وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائماً بتنفيذه، والإرشاد إليه، وتربية المسلمين وفقهه {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ* [الجمعة: 2].
وكان الصحابة رضي اللَّه عنهم مقبلين عليه بقلوبهم، يتحلون بأحكامه ويستبشرون بها {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا* [الأنفال: 2] وليس تفصيل هذه المسائل كلها من مباحث موضوعنا فنقتصر منها على قدر الحاجة.
كان هذا أعظم ما يواجهه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى المسلمين وهذا الذي كان هو المقصود - على نطاق واسع - من الدعوة الإسلامية، والرسالة المحمدية، ولكن لم يكن هذا قضية طارئة. نعم كانت هناك مسائل دون ذلك كانت تقتضي الاستعجال.
كانت جماعة المسلمين مشتملة على قسمين: قسم هُم في أرضهم وديارهم وأموالهم، لا يهمهم من ذلك إلا ما يهم الرجل وهو آمن في سربه، وهم الأنصار، وكان بينهم تنافر مستحكم وعداء مزمن منذ أمد بعيد. وكان بجانب هؤلاء قسم آخر وهم المهاجرون، فاتهم كل ذلك، ونجوا بأنفسهم إلى المدينة، ليس لهم ملجأ يأوون إليه، ولا عمل يعملونه لمعيشتهم، ولا مال يبلغون به قواماً من العيش، وكان عدد هؤلاء اللاجئين غير قليل، وكانوا يزيدون يوماً فيوماً، فقد كان الإذنُ بالهجرة لكل من آمن باللَّه ورسوله، ومعلوم أن المدينة لم تكن على ثروة طائلة، فتزعزع ميزانها الاقتصادي، وفي هذه الساعة الحرجة قامت القوات المعادية للإسلام بشبه مقاطعة اقتصادية قلت لأجلها المستوردات وتفاقمت الظروف.
ب - أما الصنف الثاني وهم المشركون من صميم قبائل المدينة، فلم تكن لهم سيطرة على المسلمين، وكان منهم من تخالجه الشكوك ويتردد في ترك دين الآباء، ولكن لم يكن يبطن العداوة والكيد ضد الإسلام والمسلمين، ولم تمض عليهم مدة طويلة حتى أسلموا وأخلصوا دينهم للَّه.
وكان فيهم من يبطن شديد الإحن والعداوة ضد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ولكن لم يكن يستطيع أن يناوئهم، بل كان مضطراً إلى إظهار الودّ والصفاء نظراً إلى الظروف، وعلى رأس هؤلاء عبد اللَّه بن أُبي، فقد كانت الأوس والخزرج اجتمعوا على سيادته بعد حرب بعاث، ولم يكونوا اجتمعوا على سيادة أحد قبله، وكانوا قد نظموا له الخرز، ليتوجوه ويملكوه، وكان على وشك أن يصير ملكاً على أهل المدينة إذ باغت مجيء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وانصراف قومه عنه إليه، فكان يرى أنه استلبه ملكاً، فكان يبطن شديد العداوة ضده، ولما رأى الظروف لا تساعده على شركه، وأنه يحرم الفوائد الدنيوية أظهر الإسلام بعد بدر، ولكن بقي مستبطناً الكفر، وكان لا يجد مجالاً للمكيدة برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبالمسلمين إلا ويأتي بها، وكان أصحابه من الرؤساء الذين حرموا المناصب المرجوة في ملكه يساهمونه ويدعمونه في تنفيذ خططه، وربما كانوا يتخذون بعض الأحداث، وضعاف العقول من المسلمين عملاء لهم، لتنفيذ خططهم.
ج - أما الصنف الثالث وهم اليهود فقد كانوا انحازوا إلى الحجاز زمن الاضطهاد الأشوري والروماني كما أسلفنا، وكانوا في الحقيقة عبرانيين، ولكن بعد الانسحاب إلى الحجاز صبغوا بالصبغة العربية في الزي واللغة والحضارة، حتى صارت أسماء قبائلهم أو أفرادهم عربية، وحتى قامت بينهم وبين العرب علاقة الزواج والمصاهرة، إلا أنهم تحفظوا بعصبيتهم الجنسية، ولم يندمجوا في العرب قطعاً، بل كانوا يفتخرون بجنسيتهم الإسرائيلية - اليهودية - وكان يحتقرون العرب احتقاراً بالغاً حتى كانوا يسمونهم أميين بمعنى أنهم وحوش سذج، وأراذل متأخرين، وكانوا يرون أن أموال العرب مباحة لهم، يأكلونها كيف شاؤوا، {قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي