تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأجناس. وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية. ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يوماً ما "عربية " إنما كانت دائماً "إسلامية ". ولم تكن يوماً ما "قومية " إنما كانت دائماً "عقيدية ". .

ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة، وبآصرة الحب، وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة. . فبذلوا جميعاً أقصى كفاياتهم، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم؛ وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية التاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعاً على قدم المساواة؛ وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد؛ وتبرز فيها "إنسانيتهم" وحدها بلا عائق. . وهذا ما لم يتجمع قط لأي تجمع آخر على مدار التاريخ!. .

لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلاً. فقد ضمت بالفعل أجناساً متعددة؛ ولغات متعددة، وأرضين متعددة. . .

ولكن هذا كله لم يقم على آصرة "إنسانية " ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة. . لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية، وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني - بصفة عامة - وعبودية سائر الأجناس الأخرى. .

ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي؛ ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي.

كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى. .

تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلاً. . ولكنه كان كالتجمع الروماني الذي هو وريثه! تجمعاً قومياً استغلالياً؛ يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية. . ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها: الإمبراطورية الأسبانية والبرتغالية في وقت ما، والإمبراطورية الفرنسية. .

وكلها في ذلك المستوى الهابط البشع المقيت!

وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعاً من نوع آخر، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون. ولكنها لم تقمه على قاعدة "إنسانية " عامة. إنما أقامته على القاعدة "الطبقية ". .

فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم. . هذا تجمع على قاعدة طبقة "الأشراف"؛ وذلك تجمع على قاعدة طبقة "الصعاليك" [البروليتريا] والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى!

وما كان لمثل هذا التجمع الصغير أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني. . فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها باعتبار أن "المطالب الأساسية " للإنسان هي "الطعام والمسكن والجنس" - وهي مطالب الحيوان الأولية - وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام!!!

لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني. . وما يزال مفرداً. . والذين يعدلون عنه إلى أي منهج آخر، يقوم على أية قاعدة أخرى من القوم أو الجنس أو الأرض أو الطبقة. . إلى آخر هذا النتن السخيف هم أعداء الإنسان حقاً!

هم الذين لا يريدون لهذا الإنسان أن يتفرد في هذا الكون بخصائصه العليا كما فطره الله؛ ولا يريدون لمجتمعه أن ينتفع بأقصى كفايات أجناسه وخصائصها وتجاربها في امتزاج وتناسق. .

وهم في الوقت ذاته يسبحون ضد التيار؛ ويعملون ضد خط الصعود الإنساني؛ ليعودوا بالإنسان إلى التجمع على مثل ما تتجمع عليه "البهائم" من الحظيرة والكلأ!

بعد أن رفعه الله إلى ذلك المقام الكريم الذي يتجمع فيه على ما يليق أن تتجمع عليه "الناس"!

وأعجب العجب أن يسمى التجمع على خصائص الإنسان العليا تعصباً وجموداً ورجعية، وأن يسمى التجمع على مثل خصائص الحيوان تقدماً ورقياً ونهضة؛ وأن تقلب القيم والاعتبارات كلها؛ لا لشيء إلا للهروب من التجمع على أساس العقيدة. . خصيصة الإنسان العليا. .

ولكن الله غالب على أمره. .

الخلاصة في أحكام الهجرة · الصفحة ١٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الخلاصة في أحكام الهجرةص ١٦٦