فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ أَعْمَال مِنًى حَسَبَ الْوَارِدِ، أَمَّا التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ طَوَافِ الافَاضَةِ فَسُنَّةٌ.
وَاسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:
مُرَاعَاةُ اتِّبَاعِ فِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الانْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (سورة الحج / 29 - 30).
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ أَمَرَ بِقَضَاءِ التَّفَثِ وَهُوَ الْحَلْقُ مُرَتَّبًا عَلَى الذَّبْحِ، فَدَل عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْوَاجِبُ فِي التَّرْتِيبِ: تَقْدِيمُ الرَّمْيِ عَلَى الْحَلْقِ وَعَلَى طَوَافِ الافَاضَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّرْتِيبِ لاَ يَجِبُ، بَل هُوَ سُنَّةٌ.
اسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الرَّمْيِ عَلَى الْحَلْقِ بِأَنَّهُ بِالاجْمَاعِ مَمْنُوعٌ مِنْ حَلْقِ شَعْرِهِ قَبْل التَّحَلُّل الاوَّل، وَلاَ يَحْصُل التَّحَلُّل الاوَّل إِلاَّ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ تَقْدِيمِ الذَّبْحِ عَلَى الْحَلْقِ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو السَّابِقِ، أَخْذًا بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّاخِيرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ، وَفَسَّرُوا فَمَا سُئِل عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ. . . بِأَنَّ الْمُرَادَ مِمَّا ذُكِرَ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ لِتَقْدِيمِهِ وَتَاخِيرِهِ.
وَأَخَذَ الامَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْوُجُوبِ عَنْهُ بِلَفْظِ " لَمْ أَشْعُرْ " فَقَال: يَجِبُ التَّرْتِيبُ عَلَى الْعَالِمِ بِهِ الذَّاكِرِ لَهُ، أَمَّا الْجَاهِل وَالنَّاسِي فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَيَّدُوا شَطْرَ الْحَدِيثِ الاخِيرِ " فَمَا سُئِل. . . " لِهَذَا الْمَعْنَى، أَيْ قَال: لاَ حَرَجَ فِيمَا قُدِّمَ وَأُخِّرَ، مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ.
وَالْحَاصِل كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مُخَالَفَةَ التَّرْتِيبِ لاَ تُخْرِجُ هَذِهِ الافْعَال عَنِ الاجْزَاءِ، وَلاَ يَمْنَعُ وُقُوعَهَا مَوْقِعَهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا (1) ".
التَّحَلُّل مِنْ إِحْرَامِ الْحَجِّ:
(1) - المغني 3/ 448، وانظر مسألة ترتيب أعمال يوم النحر في الهداية، وفتح القدير 2/ 177، وبدائع الصنائع 2/ 158 - 159، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1/ 479، والشرح الكبير 2/ 47 - 48، والمهذب مع المجموع 8/ 153 - 154 و 164، ونهاية المحتاج 2/ 429، والمغني 3/ 446 - 449، والفروع 3/ 515.