اسْتَدَل أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الطَّوَافَ عَلَى الذَّبْحِ فِي الْحَجِّ، فَقَال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (سورة الحج / 29.)، ثُمَّ قَال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (سورة الحج / 30.)، فَكَانَ وَقْتُهُمَا وَاحِدًا، فَيُكْرَهُ تَاخِيرُ الطَّوَافِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَيَنْجَبِرُ بِالدَّمِ.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ نَظَرُوا إِلَى شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّهُ تُقَامُ فِيهِ أَعْمَال الْحَجِّ، فَسَوَّوْا بَيْنَ كُل أَيَّامِهِ، وَجَعَلُوا التَّاخِيرَ عَنْهُ مُوجِبًا لِلْفِدَاءِ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، بِأَنَّ الاصْل عَدَمُ التَّاقِيتِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُوجِبُ فِعْلَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ، فَلاَ يَلْزَمُ الْحَاجَّ فِدْيَةٌ إِذَا أَخَّرَ طَوَافَ الافَاضَةِ إِلَى مَا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ.
فَإِذَا تَأَخَّرَ طَوَافُ الافَاضَةِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ أَوْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ أَبَدًا، وَهُوَ مُحْرِمٌ عَنِ النِّسَاءِ أَبَدًا إِلَى أَنْ يَعُودَ فَيَطُوفَ.
وَلاَ يَكْفِي الْفِدَاءُ عَنْ أَدَاءِ طَوَافِ الافَاضَةِ إِجْمَاعًا، لأَِنَّهُ رُكْنٌ، وَأَرْكَانُ الْحَجِّ لاَ يُجْزِئُ عَنْهَا الْبَدَل، وَلاَ يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، بَل يَجِبُ الاتْيَانُ بِهَا بِعَيْنِهَا (1).
الرَّابِعُ: السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ:
الْمُرَادُ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَطْعُ الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا سَبْعَ مَرَّاتٍ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ طَافَ بِالْبَيْتِ.
حُكْمُ السَّعْيِ:
56 - ذَهَبَ الائِمَّةُ الثَّلاَثَةُ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لاَ يَصِحُّ بِدُونِهِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ الْحَاجُّ خُطْوَةً مِنْهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَعُودَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَيَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ، وَيَخْطُوَ تِلْكَ الْخُطْوَةَ. وَهُوَ قَوْل عَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ السَّعْيَ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَرُكْنُ السَّعْيِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهَا لَمْ يَتَحَلَّل مِنْ إِحْرَامِهِ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّ رُكْنَ السَّعْيِ أَكْثَرُ أَشْوَاطِ السَّعْيِ، وَالثَّلاَثَةُ الْبَاقِيَةُ لَيْسَتْ رُكْنًا، وَتَنْجَبِرُ بِالْفِدَاءِ.
(1) - انظر وقت طواف الإفاضة في الهداية 2/ 180، والمسلك المتقسط ص 155، وحاشية ابن عابدين 2/ 250 و 251، وشرح الزرقاني على مختصر خليل 2/ 281، وحاشية العدوي 1/ 479، والشرح الكبير 2/ 47، والمهذب 1/ 230، ونهاية المحتاج 2/ 429، ومغني المحتاج 1/ 503 - 504، والمغني 3/ 441 و 443 وانظر الفروع 3/ 516 و 520.