فَأَثْبَتُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْوَقْتَ الْمَسْنُونَ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَرْسَلَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْيَوْمَ الَّذِى يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- - تَعْنِى - عِنْدَهَا (1). .
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ عَلَّقَ الرَّمْيَ بِمَا قَبْل الْفَجْرِ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ صَالِحٌ لِجَمِيعِ اللَّيْل، فَجَعَل النِّصْفَ ضَابِطًا لَهُ؛ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّا قَبْل النِّصْفِ.
أَمَّا آخِرُ وَقْتِ الرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ فَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى فَجْرِ الْيَوْمِ التَّالِي، فَإِذَا أَخَّرَهُ عَنْهُ بِلاَ عُذْرٍ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلتَّاخِيرِ، وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الْقَضَاءِ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (2).
(1) - سنن أبى داودبرقم (1944) وفي بلوغ المرام للحافظ ابن حجر برقم (757) وقال عقبه إسناده على شرط مسلم
وفي عون المعبود - (ج 4 / ص 329)
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح لَا غُبَار عَلَيْهِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَقِيب حَدِيث أَبِي دَاوُدَ. قَالَ الشَّافِعِيّ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خُرُوجهَا بَعْد نِصْف اللَّيْل وَقَبْل الْفَجْر لِأَنَّ رَمْيهَا كَانَ قَبْل الْفَجْر لِأَنَّهَا لَا تُصَلِّي الصُّبْح بِمَكَّة إِلَّا وَقَدْ رَمَتْ قَبْل الْفَجْر بِسَاعَةٍ، وَوَافَقَ الشَّافِعِيَّ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ فَقَالَا تَرْمِي قَبْل طُلُوع الْفَجْر، وَقَالَ مَالِك وَغَيْره تَرْمِي بَعْد طُلُوع الْفَجْر وَلَا يَجُوز قَبْل ذَلِكَ. اِنْتَهَى كَلَام الْمُنْذِرِيِّ.
تَعْلِيقُ الْحَافِظِ ابْنِ الْقَيِّمِ:
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين اِبْن الْقَيِّم رَحِمَهُ اللَّه: قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: كَانَ الْإِمَام أَحْمَد يَدْفَع حَدِيث أُمّ سَلَمَة هَذَا وَيُضَعِّفهُ، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَمَاهَا ضُحَى ذَلِكَ الْيَوْم، وَقَالَ جَابِر: " رَأَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي الْجَمْرَة ضُحَى يَوْم النَّحْر وَحْده، وَرَمَى بَعْد ذَلِكَ بَعْد زَوَال الشَّمْس "، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: اِخْتَلَفُوا فِي رَمْيهَا قَبْل طُلُوع الشَّمْس، فَمَنْ رَمَاهَا قَبْل طُلُوع الشَّمْس. يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَة.
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: وَحُجَّته أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَاهَا بَعْد طُلُوع الشَّمْس، فَمَنْ رَمَاهَا قَبْل طُلُوع الشَّمْس كَانَ مُخَالِفًا لِلسُّنَّةِ، وَلَزِمَهُ إِعَادَتهَا. قَالَ: زَعَمَ اِبْن الْمُنْذِر: أَنَّهُ لَا يَعْلَم خِلَافًا فِيمَنْ رَمَاهَا قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَبَعْد الْفَجْر أَنَّهُ يُجْزِئهُ. قَالَ: وَلَوْ عَلِمْت أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا لَأَوْجَبْت عَلَى فَاعِل ذَلِكَ الْإِعَادَة. قَالَ: وَلَمْ يُعْلَم قَوْل الثَّوْرِيِّ، يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوز رَمْيهَا إِلَّا بَعْد طُلُوع الشَّمْس، وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيِّ. فَمُقْتَضَى مَذْهَب اِبْن الْمُنْذِر: أَنَّهُ يَجِب الْإِعَادَة عَلَى مَنْ رَمَاهَا قَبْل طُلُوع الشَّمْس، وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس صَرِيح فِي تَوْقِيتهَا بِطُلُوعِ الشَّمْس، وَفَعَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْن الْأُمَّة، فَهَذَا فَعَلَهُ وَهَذَا قَوْله، وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة قَدْ أَنْكَرَهُ الْإِمَام أَحْمَد وَضَعَّفَهُ.
وَقَالَ مَالِك: لَمْ يَبْلُغنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْخَصَ لِأَحَدِ فِي الرَّمْي قَبْل طُلُوع الْفَجْر.
(2) -بدائع الصنائع 2/ 137، وشرح اللباب ص 161.