فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهُ , إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء:30] فَكَانَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [البقرة:231] مَعْنِيًّا بِهِ مَا قُلْنَا مِمَّا لَمْ يُقْرَنْ بِالْوَعِيدِ مَعَ إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَوَعَّدَ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ مَا سَلَفَ فِيهِ الْوَعِيدُ بِالنَّهْيِ مَقْرُونًا قَبْلَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿عُدْوَانًا﴾ [النساء:30] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: تَجَاوُزًا لِمَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ إِلَى مَا حَرَّمَهُ عَلَيْهِ ﴿وَظُلْمًا﴾ [النساء:30] يَعْنِي:" فِعْلًا مِنْهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ اللَّهُ بِهِ , وَرُكُوبًا مِنْهُ مَا قَدْ نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء:30] يَقُولُ:" فَسَوْفَ نُورِدُهُ نَارًا يُصْلَى بِهَا فَيَحْتِرَقُ فِيهَا. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:30] يَعْنِي:" وَكَانَ إِصْلَاءُ فَاعِلِ ذَلِكَ النَّارَ وَإِحْرَاقُهُ بِهَا عَلَى اللَّهِ سَهْلًا يَسِيرًا , لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الامْتِنَاعِ عَلَى رَبِّهِ مِمَّا أَرَادَ بِهِ مِنْ سُوءٍ. وَإِنَّمَا يَصْعُبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعِيدِ لِمَنْ تَوَعَّدَهُ عَلَى مَنْ كَانَ إِذَا حَاوَلَ الْوَفَاءَ بِهِ قَدَرَ الْمُتَوَعَّدُ مِنَ الامْتِنَاعِ مِنْهُ , فَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي قَبْضَةِ مُوَعِّدِهِ فَيَسِيرٌ عَلَيْهِ إِمْضَاءُ حُكْمِهِ فِيهِ وَالْوَفَاءُ لَهُ بِوَعِيدِهِ , غَيْرُ عَسِيرٍ عَلَيْهِ أَمْرٌ أَرَادَهُ بِهِ" (1)
وقال القرطبي:" وَأَجْمَعَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الْآيَةِ النَّهْيُ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُ النَّاسِ بَعْضًا. ثُمَّ لَفْظُهَا يَتَنَاوَلُ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ
(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (6/ 637)