تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت أم ونوس تنظر إليه وتعود بذاكرتها إلى برهوم الذي لم يكن يعجبه من الدرّ إلا ما كان ينفصل من ماء عن الجبن أو القريش ولو وجد هذا المصل سبيله إلى السوق لما شربه وأهدر قيمته.. قالت أم ونوس في نفسها:

إنه هو.. نعم هو.. فقد كان مولعاً بالمصل وما يزال..

ويحاول الكلب بعد حين الخروج من المنزل؛ ولكنه لا يفلح فالباب مغلق وعينا أم ونوس ترقبانه، يجرب التسلق على الجدار غير أنه لا ينجح أيضاً فقد كانت قواه خائرة، وحالته الصحية لا تساعده على تسلق الجدران المنتصبة، فأقام ليلته نائماً، على غير عادة الكلاب، وأم ونوس تنهض من فراشها مرة بعد مرة للاطمئنان إلى أنه ينام مستريحاً..

ويبزغ الفجر ليبدأ الكلب عواءً أجشَّ، على غير عادة الكلاب أيضاً، التي تكون في مثل هذا الوقت، قد استسلمت للنوم بعد طول سهر وعواء، ولكن ما الذي يمنعه من الاستيقاظ مبكراً وقد أخذ حصته من الراحة؟!!.

وتنهض أم ونوس من فراشها مسرعة إلى إفراغ ما بقي لديها من مصل في وعاء شرب الكلب ناثرةً بين يديه بعض كُسيراتٍ من خبر الأمس لم تستطع إثارة شهيته، أو إسالة لعابه، فلم تجد بدّاً من تقريب طاسة إليه لعلّ في رائحة المصل ما يحرك فيه الشهوة للطعام. وما إن أضحى وعاؤه في متناول فمه، حتى أخذ يشرب مستكثراً مسرعاً؛ كأنما يريد إطفاء غلة مزمنة أو عطش قديم.. كانت عينا أم ونوس في حركة ثلاثية الاتجاه: مرة إلى الطاس، وثانية إلى لسانه، وثالثة إلى بطنه لتطمئن إلى ازدياد حجمه..

وتظهر علائم الارتواء عليه فيسترخي قليلاً ليتمدد بعد ذلك على قفاه وتراها تهمس من غير أن تشعر بما تقول: "بو ونوس شبعت؟"

وتتركه عل مصطبته مستقبلاً الشمس بغبطة وسرور، فلطالما كان يقف في خشوع عند شروقها وغروبها، حتى أيام البرد والزمهرير، متحيّناً لها، نظرة من خلال الغيوم المتلبِّدة، مرسلاً التحية إلى الإله ملك النحل علي بن أبي طالب.. ولكنها تتنهد وتقول:

الجيل التالي - النصيرية · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجيل التالي - النصيريةص ٤