ويستمر هذا التسعير والتصعيد في العذاب أبداً ولا أمل في يوم من الراحة، ولا ساعة من الهدوء، ولا فتور للعذاب ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات. قالوا بلى!! قالوا: فادعوا .. وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ (المؤمن:49 - 50)
وقال تعالى: ﴿إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون﴾ (الزخرف:74 - 75) أي متحيرون يائسون منقطعو الرجاء والأمل في أي صورة من صور الرحمة بهم.
إن تصور هذه الحال، وتخيل أن يكون الواحد منا في هذه المآل -عياذاً بالله- أعظم واعظ وأكبر زاجر.
29 - طعام أهل النار عذاب، وشربهم عذاب:
أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها -عياذاً بالله- يأكلون فيها ويشربون، ولكنهم يعذبون بالطعام والشراب عذاباً كعذاب النار أو أشد، ومع أنهم يعذبون بالطعام الذي يأكلونه وبالشراب الذي يشربونه إلا أن ضرورة الجوع والعطش تلجئهم إلى هذا الأكل والشرب الذي هو نوع من العذاب بل هو العذاب.
فالمعذب في النار يجوع جوعاً شديداً، ويلجئه ضرورته وألمه إلى الأكل من شجر الزقوم ... وهذه الشجرة تخرج في أصل النار في عمق البئر، وقعر الجحيم، وتخرج أغصانها وثمارها في صورة مرعبة كريهة بشعة.
وما ظنك بثمار شجر ينبت في النار، وتغذيه النار ويجري في عروقه الحميم.
ووصف الله سبحانه وتعالى شجرة الزقوم فقال جل وعلا: ﴿إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم* طلعها كأنه رؤوس الشياطين* فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون* ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم* ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم﴾ (الصافات:64 - 68)
وقال جل وعلاً أيضاً: ﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم﴾ (الواقعة:51 - 55)
والمعنى أن ضرورة الجوع تلجىء المعذب من أهل النار إلى الأكل من هذه الشجرة الخبيثة الملعونة التي تخرج في أصل النار، وتثمر ثماراً من نار، فإذا احترق جوف المعذب من هذا الطعام الخبيث، وأراد أن يطفئ الحرارة المشتعلة في بطنه ويطفئ العطش الهائل الذي يحس به، ألجأته هذه الضرورة إلى ماء خبيث قد بلغ غايته في الحرارة فيشربه ليطفئ ناراً فلا يزيده هذا الماء المغلي إلا اشتعالاً ﴿فشاربون عليه من الحميم﴾ (الواقعة:54)