تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أنني لم أر النار، نار الآخرة لا يقظة ولا مناماً .. ولكني وقفت قليلاً على توقيف الله عباده على هذه النار، ووصفه سبحانه المفصل لها، وتصريف الله الوعيد لعباده بشأنها، وعلى النقل الحي للرسول صلى الله عليه وسلم الذي رآها رأي العين، ثم وصفها وصفاً واضحاً كاملاً، فأصبح من لم يرها بعينه كأنه رآها بعينه بوصف النبي صلى الله عليه وسلم لها.

وقد كان الصحابي يجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحدث عن الجنة والنار، فكأنه وإياها رأي العين، قال حنظلة: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا وإياها رأي العين!! فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً!! (رواه مسلم)

وكان رسول الله إذا خطب يصف النار علا صوته، واشتد غضبه، واحمر وجهه كأنه نذير جيش يقول: [صبحكم ومساكم] قال جابر بن عبدالله رضي الله عنه: [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: [من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له. إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدى هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار] ثم يقول: [بعثت أنا والساعة كهاتين وكان إذا ذكر الساعة احمرتْ وَجْنتاه وعلا صوته، واشتد غضبه؛ كأنه نذير جيش يقول: [صبحكم ومساكم]!! ثم قال: [من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي أو علي وأنا أولى بالمؤمنين] (رواه النسائي)

ولو قدر لنا أن تصلنا سلسلة خطب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يفسر سورة (ق) من فوق منبره لكنا سمعنا عجباً، فإن بعض الصحابيات حفظن سورة (ق) من فم الرسول صلى الله عليه وسلم من كثرة ما يخطب بها صلى الله عليه وسلم في الجمعة.

وسورة (ق) من سور الوعيد، وقد حملت مشاهد عظيمة من صور الحشر، والنار، وكلام أهل النار وخصومتهم بعضهم بعضاً: من كان السبب منهم في إدخال الآخر إلى النار ورد الله على الجميع: ﴿لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد* ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد﴾ (ق: 28)

ثم كلام الله للنار التي قد فتحت أبوابها تبتلع كل الأفواج ممن يدخلها من أهلها. وهم عدد لا يحصى كثرة، فإنه يدخل من أولاد آدم من كل ألف تسعة وتسعون وتسعمائة!! ويبقى واحد من كل ألف يدخل الجنة!!

ولما كانت النار دركات بعضها فوق بعض، لا يشاهد المشاهد منها على ظهر أرض المحشر إلا أبوابها، وقرونها وأسوارها، ولهيبها المنبعث منها، وأما هي فبئر واسع سحيق يمتد سفلاً حتى إن الحجر ليلقى من على شفير جهنم (الشفير حافة البئر) فيمكث سبعين عاماً لا يصل إلى قعرها!!

الجحيم رؤية من الداخل · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الجحيم رؤية من الداخلص ٢٦